أو التشابه لترى كيف كان شيخ الإسلام يكشف بعلمه كثيرًا من ملتبسِ مسائل هذه الأيام في أذهان البعض مستنصرًا بالدليل مستكثرًا بالحق متحملًا غربة الزمان وقلة الأعوان كما هو الحال في هذا الزمان، فإليك يا أخي الكريم الفصل الأول من فصول هذه الزاوية، أسأل الله الهدى والسداد لي ولجميع إخواني المسلمين.
السؤال من المجلد الثامن والعشرين:
ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلاء التتار، الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة، وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين، وسبي بعض الذراري، والنهب لمن وجدوه من المسلمين، وهتكوا حرمات الدين من إذلالٍ المسلمين، وإهانةٍ المساجد، لاسيما بيت المقدس وأفسدوا فيه، وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم، وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم، وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم، لِمَا زعموا من اتبّاع أصل الإسلام، ولكونهم عفّوا عن استئصال المسلمين. فهل يجوز قتالهم أو يجب، وأيما كان فمن أي الوجوه جوازه أو وجوبه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب:
الحمد لله، كل طائفة [1] ممتنعة [2] عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم [3] فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه [4] ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة - رضي الله عنهم - مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبى بكر - رضي الله عنهما - فاتفق الصحابة رضي الله عنهم على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة.
وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم) [5] ، فعُلِمَ أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقطٍ للقتال. فالقتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب [6] [7] فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته [8] التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها [9] وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء [10] وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة - عند من لا يقر بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.