والله - سبحانه - يقرر الحقيقة الكلية ; ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين - أو للظلم والظالمين - فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر , في الأمد القريب , فلاحا ونجاحا. .
فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار. .
ومن أصدق من الله حديثا ?. .
انقطاع ما بين الله والعباد. فلا يبقى لهم معه أمل في مغفرة. إذا خرجوا من هذه الدنيا وهم مشركون. مقطوعو الصلة بالله رب العالمين. وما تشرك النفس بالله , وتبقى على هذا الشرك حتى تخرج من الدنيا - وأمامها دلائل التوحيد في صفحة الكون وفي هداية الرسل - ما تفعل النفس هذا وفيها عنصر من عناصر الخير والصلاحية. إنما تفعله وقد فسدت فسادا لا رجعة فيه! وتلفت فطرتها التي برأها الله عليها , وارتدت أسفل سافلين , وتهيأت بذاتها لحياة الجحيم!
إن الشرك ألوان , والشركاء ألوان , والمشركين ألوان. .
وليست الصورة الساذجة التي تتراءى للناس اليوم حين يسمعون كلمة الشرك وكلمة الشركاء وكلمة المشركين: من أن هناك ناسا كانوا يعبدون أصناما أو أحجارا , أو أشجارا , أو نجوما , أو نارا. . الخ. .
هي الصورة الوحيدة للشرك!
إن الشرك في صميمه هو الاعتراف لغير الله - سبحانه - بإحدى خصائص الألوهية. . سواء كانت هي الاعتقاد بتسيير إرادته للأحداث ومقادير الكائنات. أو كانت هي التقدم لغير الله بالشعائر التعبدية والنذور وما إليها. أو كانت هي تلقي الشرائع من غير الله لتنظيم أوضاع الحياة. .
كلها ألوان من الشرك , يزاولها ألوان من المشركين , يتخذون ألوانا من الشركاء!
والقرآن الكريم يعبر عن هذا كله بالشرك ; ويعرض مشاهد يوم القيامة تمثل هذه الألوان من الشرك والمشركين والشركاء ; ولا يقتصر على لون منها , ولا يقصر وصف الشرك على واحد منها ; ولا يفرق في المصير والجزاء بين ألوان المشركين في الدنيا وفي الآخرة سواء. .
ولقد كان العرب يزاولون هذه الألوان من الشرك جميعا:
كانوا يعتقدون أن هناك كائنات من خلق الله , لها مشاركة - عن طريق الشفاعة الملزمة عندالله - في تسيير الأحداث والأقدار. كالملائكة. أو عن طريق قدرتها على الأذى - كالجن بذواتهم أو باستخدام الكهان والسحرة لهم - أو عن طريق هذه وتلك - كأرواح الآباء والأجداد - وكل أولئك كانوا يرمزون له بالأصنام التي تعمرها أرواح هذه الكائنات ; ويستنطقها الكهان ; فتحل لهم ما تحل , وتحرم عليهم ما تحرم. .
وإنما هم الكهان في الحقيقة. .
هم الشركاء!
وكانوا يزاولون الشرك في تقديم الشعائر لهذه الأصنام ; وتقديم القربان لها والنذور - وفي الحقيقة للكهان - كما أن بعضهم - نقلا عن الفرس - كانوا يعتقدون في الكواكب ومشاركتها في تسيير الأحداث - عن طريق المشاركة لله - ويتقدمون لها كذلك