فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 471

ليس الأمر كذلك!

وإنما هو حزب أنشأه الله ليحمل لواء الحق والعدل بيده , ويكون شهيدًا على الناس ; ومن مهمته التي ألقيت على كاهله من أول يوم أن يقضي على منابع الشر والعدوان , ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض والاستغلال الممقوت ; وأن يكبح جماح الآلهة الكاذبة. الذين تكبروا في أرض الله بغير الحق ; وجعلوا أنفسهم أربابا من دون الله ; ويستأصل شأفة ألوهيتهم. ويقيم نظاما للحكم والعمران صالحا يتفيأ ظلاله القاصي والداني والغني والفقير. .

وإلى هذا المعنى أشار الله تعالى في غير واحدة من آي الذكر الحكيم:

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . . [الأنفال:38] .

(إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) . . [الأنفال:73] .

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) . . [التوبة:33]

"فتبين من كل ذلك أن هذا الحزب لا بد له من امتلاك ناصية الأمر ; ولا مندوحة له من القبض على زمام الحكم ; لأن نظام العمران الفاسد لا يقوم إلا على أساس حكومة مؤسسة على قواعد العدوان والفساد في الأرض ; وكذلك ليس من الممكن أن يقوم نظام للحكم صالح , ويؤتي أكله , إلا بعدما ينتزع زمام الأمر من أيدي الطغاة المفسدين. ويأخذه بأيديهم رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ; ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا."

"وأضف إلى ذلك أن هذا الحزب ; بصرف النظر عما يرمي إليه من إصلاح العالم ; وبث الخير والفضيلة في أنحاء الأرض كافة , لا يقدر أن يبقى ثابتًا على خطته , متمسكًا بمنهاجه , عاملًا وفق مقتضياته ما دام نظام الحكم قائمًا على أساس آخر , سائرًا على منهاج غير منهاجه. وذلك أن حزبًا مؤمنًا بمبدأ ونظام للحياة والحكم خاص , لا يمكن أن يعيش متمسكًا بمبدئه عاملًا حسب مقتضاه في ظل نظام للحكم مؤسس على مبادئ وغايات غير المبادى ء والغايات التي يؤمن بها , ويريد السير على منهاجها. فإن رجلًا يؤمن بمبادئ الشيوعية , إن أراد أن يعيش في بريطانيا أو ألمانيا , متمسكًا بمبدئه , سائرًا في حياته على البرنامج الذي تقرره الشيوعية , فلن يتمكن من ذلك أبدًا , لأن النظم التي تقررها الرأسمالية أو الناتسية تكون مهيمنة عليه , قاهرة بما أوتيت من سلطان , فلا يمكنه أن يتخلص من براثنها أصلا. . وكذلك إن أراد المسلم أن يقضي حياته مستظلًا بنظام للحكم مناقض لمبادئ الإسلام الخالدة وبوده أن يبقى مستمسكًا بمبادئ الإسلام , سائرًا وفق مقتضاه في أعماله اليومية , فلن يتسنى له ذلك , ولا يمكنه أن ينجح في بغيته هذه أبدًا. لأن القوانين التي يراها باطلة , والضرائب التي يعتقدها غرمًا ونهبا لأموال الناس , والقضايا التي يحسبها جائرة عن الحق وافتئاتًا على العدل , والنظم التي يعرف أنها مبعث الفساد في الأرض , ومناهج التعليم التي يجزم بوخامة عاقبتها وسوء نتائجها , ويرى فيها هلاكًا للأمة. . يجد كل هذه مهيمنة عليه , ومسيطرة على بيئته وأهله وأولاده , بحيث لا يمكنه أن يتخلص من قيودها وينجو بنفسه وأهله من أثرها ونفوذها. فالذي يؤمن بعقيدة ونظام - فردًا كان أو جماعة - مضطر بطبيعة عقيدته وإيمانه بها أن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت