فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 471

حاجة إلى استحضار جميع التجارب والظواهر للحياة البشرية في جميع أجيالها السابقة والحاضرة، والمستقبلة التي لم توجد بعد - وهذا مستحيل - وبعضها في حاجة إلى الإطلاع على كل خفايا الكون المحيطة بالإنسان - وهذا مستحيل كذلك - وذلك إلى قصور الإدراك البشري ذاته عن الحكم الصحيح المطلق حتى على ما يمكن ان تستحضر فيه التجارب والظواهر! لأنه محكوم بطبيعته الجزئية - غير المطلقة- ومحكوم بمؤثرات الهوى والضعف الأخرى. فليس هو إذن بالحكم في منهج يوضع"للكائن الإنساني"!.

ومن ثم يقول الله تعالى:"ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض".. ويقول:"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون".

والناس كلهم لا يعلمون ...

لا يعلمون ذلك العلم المطلق، الذي يحتاج إليه وضع منهج للحياة البشرية ...

ومن ثم لا يكون لهم إلا الهوى وإلا الجهل حين يتصدون لما ليس من شانهم، ولما ليس من اختصاصهم ... فوق ادعائهم لخاصية من خصائص الألوهية ... وهو إثم عظيم. وشر عظيم!.

ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يقوم نظام الحياة البشرية فيه على أساس من التفسير الشامل للوجود. ولمكان الإنسان في هذا الوجود. ولغاية الوجود الإنساني - كما هي في الحقيقة- لا كما يرسمها الجهل والضعف والهوى البشري، في أي تصور آخر غير رباني.

وهذا هو الأساس السليم القويم الوحيد لقيام نظام للحياة البشرية على جذوره الطبيعية. فكل نظام لحياة البشر لا يقوم على أساس من هذا التفسير الشامل لا يقوم على جذوره الطبيعية، وهو نظام مصطنع لا يمكن ان يعيش طويلًا. وهو مصدر شقاء للبشر طوال مدة قيامه فيهم، حتى تحطمه فطرتهم وترجع إلى الأصل السليم القويم.

وهذا التفسير الذي يتضمنه ذلك المنهج الإلهي هو - وحده - التفسير الصحيح. لأنه من صنع خالق الوجود، وخالق الإنسان، العليم بحقيقة الوجود وبحقيقة الإنسان ... وكل تفسير آخر للوجود، ولمقام الإنسان فيه، ولغاية الوجود الإنساني من صنع الإنسان نفسه، هو تفسير قاصر، لأن الوجود اكبر من الإنسان. فهناك استحالة في أن يصنع له الإنسان تفسيرًا شاملًا. ولأن تحديد غاية الوجود الإنساني تحتاج إلى علم خالق هذا الإنسان وما أراده من خلقه. كما تحتاج إلى تجرد من الهوى في تحديد هذه الغاية! الأمر الذي لا يتيسر للإنسان أبدًا.

والذي يراجع سجل الفلسفة التي حاولت تفسير الوجود، وتفسير مكان الإنسان فيه، وتفسير غاية الوجود الإنساني، يقع على ركام عجيب. فيه من المضحكات الساذجة بقدر ما فيه من السخف والافتعال. حتى ليعجب الإنسان. كيف تصدر هذه التصورات عن"فيلسوف"!! لولا أن يتذكر أن هذا الفيلسوف إنسان؛ لا يملك إلا أداة العقل البشري. وأن هذا ليس مجال العقل البشري. وأن هؤلاء الناس"الفلاسفة"! هم الذين زجوا بأنفسهم في مجال لا منارة لهم فيه، إلا تلك الذبالة الموهوبة لهم من الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت