فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 471

لشأن آخر غير هذا الشأن. ولمجال آخر غير هذا المجال. شان تملك فيه أن تجدى، ومجال تملك فيه ان تنير ...

ذلك هو شأن الحياة الواقعية وذلك هو مجال الخلافة في الأرض وفق المنهج الإلهي. من التطلع إلى فضل الله وعونه، فيما يمده به من تفسير شامل للوجود، ولغاية الوجود الإنساني ... وقوله الفصل وهو الحق ... وقد تضمن منهجه ذلك التفسير بالقدر الذي يقوم عليه التصور الإنساني الصحيح. وبالقدر الذي يقوم عليه كذلك نظام حياته على جذوره الطبيعية.

فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، ليقوم نظام الحياة البشرية على جذوره الطبيعية. وليس هنالك منهج آخر، تتوافر فيه هذه الخاصية التي لا بد منها.

ونحن أخيرًا ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه - وحده - المنهج الذي يتناسق مع نظام الكون كله. فلا ينفرد الإنسان بمنهج لا يتناسق مع ذلك النظام. على حين أنه مضطر ان يعيش في إطار هذا الكون، وان يتعامل بجملته مع النظام الكوني.

والتناسق بين منهج حياة الإنسان ومنهج حياة الكون هو وحده الذي يكفل للإنسان التعاون مع القوى الكونية الهائلة؛ بدلًا من التصادم معها. وهو حين يصطدم معها يتمزق وينسحق، ولا يؤدي وظيفة الخلافة في الأرض، كما أرادها الله له. وحين يتناسق مع نواميس الكون ويتوافق، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها في حياته. لا ليحترق بنار الكون ولكن ليطبخ ويستدفئ ويستضيء!!!.

والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون ...

فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس، فانه لا يصطدم مع الكون الهائل فحسب، بل يصطدم أيضًا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية اليوم في عذاب نكد، على الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التيسيرات الحضارية المادية.

إن هذه البشرية تعاني من الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب، وتهرب من واقعها النفسي بالأفيون والحشيش والمسكرات. وبالسرعة المجنونة، والمغامرات الحمقاء؛"وبالتقاليع"السخيفة ...

وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسرة، والفراغ الكثير ...

لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتضاعف كلها كلما تضاعف الرخاء المادي والتيسيرات الحضارية ...

إن هذا الخواء المرير يطارد البشرية كالشبح الرهيب. يطاردها فتهرب منه. ولكنها تنتهي كذلك إلى خواء مرير.

وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية المترفة بالتيسيرات الحضارية - وفي مقدمتها أمريكا والسويد- حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون! هاربون من أشباح تطاردهم. هاربون من ذوات أنفسهم ...

وسرعان ما ينكشف له الرخاء المادي والمتاع الحسي والإشباع الجنسي إلى حد التمرغ في الوحل ... سرعان ما ينكشف له هذا كله عن الأمراض العصبية والنفسية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت