فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 471

فواضع ذلك المنهج هو الله. وهو - سبحانه- رب البشر أجمعين. فهو لا يشرع ليحابي نفسه! ولا ليحابي طبقة من البشر على طبقة! ولا ليحابي شعبًا على شعب! ولا ليحابي جنسًا على جنس!.

والتشريع البشري، الذي يصنعه فرد حاكم، أو أسرة حاكمة، أو طبقة حاكمة، أو أمة حاكمة، أو جنس حاكم ... يستحيل - بحسب فطرة الإنسان - أن يتجرد من الهوى، ومن مراعاة مصلحة واضع التشريع.

فأما حين يكون منهج الله هو الذي يحكم حياة البشرـ فتنتفي هذه الصفة ويتحقق العدل الحقيقي الشامل الكامل، الذي لا يملك منهج آخر من مناهج البشر أن يحققه في صورته هذه. لأنه ليس بين هذه المناهج كلها ما يمكن أن يتجرد من عوامل الهوى الإنساني، والضعف الإنساني والحرص على المصلحة الذاتية في صورة من الصور.

وقد يخطر لقائل أن يقول حين يسمع التوجيهات الربانية الرفيعة في إقرار هذا العدل الشامل الكامل، الذي لا يتأثر بالهوى، ولا يتأثر بالعصبية والقرابة من مثل قوله تعالى للجماعة المسلمة:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله. إن الله خبير بما تعلمون".

قد يخطر لقائل أن يقول: وما هي الضمانات التي تجعل الجماعة المسلمة تحقق هذا العدل الذي يدعوها الله إليه، ويأمرها به؟

والضمانة الحقيقية للمنهج الإسلامي كله كامنة في ضمير المسلم، منبعثة من إيمانه. فمتى وجد الإيمان بهذا الدين وجدت معه أقوى ضماناته. والمسلمون يتعلمون من دينهم ان مقومات وجودهم وانتصارهم والتمكين لهم في الأرض، تقوم كلها على الوفاء بهذه التوجيهات؛ وإلا تعرض وجودهم للزوال، وانقلب انتصارهم هزيمة، وذهبت ريحهم وذلوا. وهم يسمعون الله - سبحانه- يقول لهم:"ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور".. ويوقنون ان الله - سبحانه - لا يحابيهم حين يحيدون عن الطريق.

والجماعة المسلمة ضمانة حقيقة لتحقيق هذه التوجهات. فهي تقوم على هذه العقيدة. وتأخذ نفسها بالتزام ما الزمها الله. وترى في كل إهمال أو تفريط نذيرًا يلحقها كلها، ولا يصيب الذين ظلموا منها خاصة ...

ومن ثم نحن ملزمون بتحقيق ذلك المنهج، لتحقيق ذلك العدل الشامل الكامل، الذي لا يتحقق إلا في ظل هذا المنهج المتفرد. ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لأنه - وحده - المنهج المبرأ من نتائج الجهل الإنساني والقصور الإنساني - براءته من نتائج الضعف البشري - فواضعه هو خالق هذا الكائن الإنساني، العليم بما يصلحه ويصلح له. وهو المطلع على خفايا تكوينه وتركيبه، وخفايا الملابسات الأرضية والكونية كلها في مدى الحياة البشرية كذلك ... فإذا وضع له منهجًا كان ملحوظًا في هذا المنهج كل هذه العوامل التي يستحيل على البشر أفرادًا ومجتمعين في جيل من الأجيال - وفي جميع الأجيال كذلك - أن يطلعوا عليها. لأن بعضها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت