الصفحة 43 من 118

(هذه الآية نزلت في كذا وكذا) هي كالأمثلة للنوع المندرج تحت حكم هذه الآية، فقصدهم أن ما يذكرونه كسبب لنزولها مما يدخل في عموم الآية ومعناها أي أن تلك الآية التي لها سبب معين تتناول نوعا خاصا لا أنها مختصة بفرد واحد ولا هي أيضا مستغرقة لجميع الأفراد.

2 -قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [1] :

النصوص العامة الواردة بخصوص سبب من الأسباب لا تخصص بذلك السبب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ فتكون أحكامها عامة، فما يذكر من أسباب النزول لا يقصد به حصر الآية وقصر حكمها في الشخص المعين أو الأعيان الذين نزلت فيهم، وإلا لعطلنا أحكام الشرع، وهذا لا يقوله عاقل حتى القائلين بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ [2] لم يريدوا أنها محصورة بالشخص المعين؛ بل قصدوا أنها تختص بصورة السبب فقط، فآية الظهار عندهم مختصة بأي رجل ظاهر من امرأته فإنما مرادهم هذه الصورة.

(1) قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في (مذكرة أصول الفقه) :"تحرير المقام في هذه المسألة أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات:"

الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم اجماعا كقوله تعالى: {السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} أن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي - صلى الله عليه وسلم - يدها والإتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم وعلى القول بأنها نزلت في الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد، فالإتيان بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضًا.

الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص فيخص اجماعًا كقوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} . الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص وهي مسألة المؤلف والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيعم حكم آية اللعان النازلة في عويمر العجلاني وهلال وآية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت وآية الفدية النازلة في كعب بن عميرة. وآية: {وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} النازلة في ابنتي سعد بن الربيعة. وهكذا.

(تنبيه) فإن قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة، أما الوحي فإن هذه المسألة سئل عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفتى بذلك، وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: {إن الحسنات يذهبن السيئات} الآية. قال للنبي: لي هذا وحدي يا رسول الله، ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن العبرة بعموم لفظ: {ان الحسنات يذهبن السيئات} لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع.

ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أيقظ عليًا وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل، وقال له على -رضي الله عنه-:إان أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي - صلى الله عليه وسلم - يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، فجعل عليا داخلًا فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن وخطابه - صلى الله عليه وسلم - لواحد كخطابه للجميع كما تقدم ما لم يقم دليل على الخصوص، وأما اللغة فإن الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب". اهـ"

(2) قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى:"والآيات التي أنزلها الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - فيها خطاب لجميع الخلق من الإنس والجن إذ كانت رسالته عامة للثقلين وإن كان من أسباب نزول الآيات ما كان موجودا في العرب فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين وإنما تنازعوا: هل يختص بنوع السبب المسئول عنه؟ وأما بعين السبب فلم يقل أحد من المسلمين: أن آيات الطلاق أو الظهار أو اللعان أو حد السرقة والمحاربين وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سبب نزول الآية. وهذا الذي يسميه بعض الناس تنقيح المناط وهو أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم في معين وقد علم أن الحكم لا يختص به فيريد أن ينقح مناط الحكم ليعلم النوع الذي حكم فيه كما أنه لما"أمر الأعرابي الذي واقع امرأته في رمضان بالكفارة"وقد علم أن الحكم لا يختص به وعلم أن كونه أعرابيا أو عربيا أو الموطوءة زوجته لا أثر له فلو وطئ المسلم العجمي سريته كان الحكم كذلك". اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت