وكان العلماء يحثون على تدوين أحاديث المغازي قال الزهري:"في علم المغازي علم الآخرة والدنيا"، قال علي بن الحسين:"كنا نعلم مغازي النبي وسراياه كما نعلم السورة من القرآن".
الدرس التاسع:
-يتبع للفصل السابق-
المتن:
"والمراسيل [1] إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا أو الاتفاق بغير قصد كانت صحيحة قطعا، فإن النقل إما أن يكون صدقا مطابقا للخبر، وإما أن يكون كذبا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ [2] كان صدقا بلا ريب."
(1) الحديث المرسل: لغة: من"أرسلت الشيء"إذا أطلقته.
قال الحافظ العراقي:
مرفوع تابع على المشهور ... مرسل أو قيده بالكبير
أو سقط راوٍ منه ذو أقوال ... والأول الأكثر في استعمال
اصطلاحا: ما رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تابعي.
قال ابن عبد البر في (التمهيد) :"فأما المرسل فإن هذا الاسم أوقعوه بإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار أو أبو إمامة ابن سهل بن حنيف أو عبد الله بن عامر بن ربيعة ومن كان مثلهم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك من دون هؤلاء مثل سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد ومن كان مثلهم وكذلك علقمة بن قيس ومسروق بن الأجدع والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم فهذا هو المرسل عند أهل العلم ومثله أيضا مما يجري مجراه عند بعض أهل العلم مرسل من دون هؤلاء مثل حديث ابن شهاب وقتادة وأبي حازم ويحيى ابن سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمونه مرسلا كمرسل كبار التابعين وقال آخرون حديث هؤلاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى منقطعا لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر روايتهم عن التابعين فما ذكروه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى منقطعا ..."اهـ.
ملاحظة: الصحابي الذي لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - له شرف الصحبة لا حكمها في الرواية فحديثه من قبيل المرسل، كذلك رواية من له رؤية لبعض الصحابة ولم يسمع من أحد منهم فله شرف التابعية لا حكمها في الرواية؛ فروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معضلة وروايته عن الصحابة منقطعة، ومرسل الصحابي حجة أما التابعي فمن علم أنه لا يرسل إلا عن صحابي قبلت مراسيله، وإلا ينظر في المرسل إذا تعددت طرقه وشواهده وتلقته الأمة بالقبول فهو صحيح.
(2) الخبر إن كان غير مطابق لمخبره نوعان: كذب عمد، وكذب خطأ، لذا قال - صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ، فقيد الوعيد في الكذب عليه بالعمد لأنه قد يخطأ الناقل فيما يرويه عنه - صلى الله عليه وسلم - فيكون كاذبا، والعرب تقول كذب فلان بمعنى أخطأ، ولكنه لما لم يتعمده فلا يتنزل عليه الحديث، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: (كذب من قالها) ، لمن قال:"حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ"، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (كذب أبو السنابل) ، ومنه قول عبادة بن الصامت:"كذب أبو محمد حيث قال الوتر واجب"، فهذا كله من كذب الخطأ، ومعناه أخطأ قائل ذلك.
قال ابن القيم في مفتاح (دار السعادة) :"العرب تقول"كذبت"بمعنى"غلطت"فيما قدرت وأوهمت فيما قلت ولم تظن حقا ونحو هذا، وذلك معروف من كلامهم موجود في أشعارهم كثيرا قال أبو طالب:"
كذبتم وبيت الله نترك مكة. .. ونظعن الا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبري محمدا. .. ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله. .. ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وقال شاعر من همدان:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونه. .. مراغمة مادام للسيف قائم
وقال زفر بن الحارث العبسي:
أفي الحق إما بحدل وابن بحدل. .. فيحي وأما ابن الزبير فيقتل
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه. .. ولما يكن أمر أغر محجل
ألا ترى أن هذا ليس من باب الكذب الذي هو ضد الصدق وإنما هو من باب الغلط وظن ما ليس بصحيح، وذلك أن قريشا زعموا أنهم يخرجون بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جوار محمد، فقال لهم أبو طالب:"كذبتم"، أي غلطتم فيما قلتم وظننتم، وكذلك معنى قول الهمداني والعبسي وهذا مشهور في كلام العرب.
قلت: ومن هذا قول سعيد بن جبير:"كذب جابر بن زيد"-يعني في قوله الطلاق بيد السيد-، أي أخطأ، ومن هذا قول عبادة ابن الصامت:"كذب أبو محمد لما قال الوتر واجب"، أي أخطأ، وفي الصحيح أن النبي قال: (كذب أبو السنابل) ، لما أفتى أن الحامل المتوفى عنها زوجها لا تتزوج حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا ولو وضعت وهذا كثير"."