الدرس العاشر
-تتمة الفصل السابق-
المتن:
"والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة، يوجب العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيرا في علم أحوال الناقلين. وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك؛ ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره [1] ."
قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، ومثل هذا بعبد الله بن لهيعة قاضي مصر؛ فإنه كان من أكثر الناس حديثا ومن خيار الناس، لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط، فصار يعتبر بذلك ويستشهد به، وكثيرا ما يقترن هو والليث بن سعد والليث حجة ثبت إمام. وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ، فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا"علم علل الحديث"، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه،
(1) الاعتبار: هو تتبع طرق الحديث في كتب الرواية المسندة لمعرفة المتابعات والشواهد لحديث ما.
الشاهد: أن يأتي حديث بسند أخر مختلف فيشهد للحديث الذي بين أيدينا ويقويه.
المتابعات: تكون في السند نفسه فلو وجدنا راو للحديث الذي نبحث في حاله غير ثقة يرويه عن شيخه وشيخه ثقة وهذا الحديث رواه مثلا تلميذ آخر لنفس الشيخ؛ فهذا يسمى متابع له وبه يقوى الحديث، وإن وجدنا حديثا آخر روي عن صحابي آخر يشهد لمعنى الحديث؛ سمي شاهدا، وتتبع الطرق بحثا عن المتابعات والشواهد يسمى اعتبارا، وهذا معنى قول الإمام أحمد"لأعتبره"؛ فالمتابعات ترجع إلى حديث الصحابي نفسه بتتبع رواة السند من روى عنهم ومن أخذوا عنه، أما الشواهد فتتعدد فيه المخارج.
قال ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) : في الاعتبارات والمتابعات والشواهد: مثاله: أن يروى حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا، فإن رواه غير حماد عن أيوب أو غير أيوب عن محمد. أو غير محمد عن أبي هريرة، فهذه متابعات. فإن روي معناه من طريق أُخرى عن صحابي آخر سمي شاهد لمعناه وإن لم يرو بمعناه أيضًا حديث آخر فهو فرد من الأفراد. ويُغتفر في باب"الشواهد والمتابعات"من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يُغتفر في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك. ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء:"يصلح للاعتبار"، أو"لا يصلح أن يعتبر به". والله أعلم. اهـ