الصفحة 28 من 118

إذا عرف هذا، فالسلف كثيرا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر، كمن يقول: أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب. والقدوس هو الغفور، والرحيم، أي أن المسمى واحد، لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة. ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس، مثال ذلك: تفسيرهم للصراط المستقيم:

فقال بعضهم: هو القرآن، أي أتباعه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: (هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم) . وقال بعضهم: هو الإسلام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث النواس ابن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: (ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو من فوق الصراط، وداع يدعو على رأس الصراط) ، قال: (فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن) ، فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو إتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ"صراط"يشعر بوصف ثالث [1] ، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة. وقول من قال: هو طريق العبودية. وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.

الشرح:

1 -ترجع ندرة اختلاف السلف في تفسير القرآن مقارنة بخلافهم في الأحكام أن عامة ما ينقل عنهم تفسير بالمأثور تلقوه من مشكاة النبوة، أما الاختلاف في الأحكام فأسبابه متعددة:

(1) قال عاصم الأحول عن أبي العالية: الصراط المستقيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه من بعده. قال عاصم فقلت للحسن: إن أبا العالية يقول: الصراط المستقيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه، قال: صدق ونصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت