وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته، ويدل أيضا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب [1] . وكذلك أسماء القرآن: مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والشفاء، والبيان، والكتاب، وأمثال ذلك.
فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى؛ عبرنا عنه بأي اسم كان إذا عرف مسمى هذا الاسم، وقد يكون الاسم علما وقد يكون صفة كمن يسأل عن قوله: {ومن أعرض عن ذكري} [طه: 124] ما ذكره؟ فيقال له: هو القرآن مثلا، أو هو ما أنزله من الكتب. فإن الذكر مصدر، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول. فإذا قيل ذكر الله بالمعني الثاني كان ما يذكر به مثل قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وإذا قيل بالمعنى الأول كان ما يذكره هو وهو كلامه، وهذا هو المراد في قوله: {ومن أعرض عن ذكري} ؛ لأنه قال قبل ذلك: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123] وهداه هو ما أنزله من الذكر، وقال بعد ذلك: {قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها} [طه: 125، 126] .
والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل، أو هو ذكر العبد له، فسواء قيل: ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك؛ كان المسمى واحدا. وإن كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به؛ فلا بد من قدر زائد على تعيين المسمى، مثل أن يسأل عن القدوس السلام المؤمن، وقد علم أنه الله، لكن مراده ما معنى كونه قدوسا سلاما مؤمنا ونحو ذلك.
(1) عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إِنّ لِي خمسة أَسْمَاءَ: أَنَا مُحمّدُ، وَأَنا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الّذِي يَمْحُو الله بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلَى قَدَمَيّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ) (أخرجه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه) وزاد مسلم: (الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللهُ رَءُوفًا رَحِيمًا) وقوله:"وقد سماه الله رؤوفا رحيما"من مدرج ابن شهاب الزهري الذي روى الحديث عن محمد بن جبير بن مطعم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم:"وأنا الحاشر"وفسر ذلك بأنه"الذي يحشر الناس على قدمه".
قال الخطابي:"معنى القدم ههنا الدين يقال كان هذا على قدم فلان أي على دينه فيكون الحديث على هذا أن زمن دينه آخر الأزمنة وأنه عليها تقوم الساعة ويكون الحشر لا تنسخ شريعته ناسخة ولا يستأصل لملته كفر، والله أعلم. ويحتمل أن يريد بذلك أن الناس يحشرون على قدمه بمعنى مشاهدته قائما لله تعالى وشاهدا على أمته والأمم، قال الله -تبارك وتعالى-: {يوم يقوم الناس لرب العالمين} ، وقال -عز من قائل-: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ."
(العاقب) فسره في الحديث بأنه الذي ليس بعده نبي أي جاء عقبهم قال ابن الأعرابي العاقب والعقوب الذي يخلف في الخير من كان قبله ومنه عقب الرجل لولده.