2 -شدة اعتناء الصحابة بتعلم القرآن ومعانيه والعمل بما جاء فيه:
لا يخفى عظم اهتمام الصحابة بمعاني القرآن والتفقه فيها والعمل بما فهموه:
قال شيخ الإسلام في (الحموية) :"من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة-القرن [1] الذي بعث فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم- كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق. وكلاهما ممتنع. أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه، أعني: بيان ما ينبغي اعتقاده، لا معرفة كيفية الرب وصفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر. وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى -الذي"
(1) بعض الناس يفهم أن المقصود بالقرون الثلاثة هو الثلاثمائة سنة الأولى من تاريخ الإسلام، والصحيح أنها الطبقات الثلاثة الأولى في الأمة: طبقة الصحابة، ثم طبقة التابعين، ثم طبقة تابعي التابعين. قال ابن بطال:"القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم".
قال ابن تيمية -رحمه الله-:"وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز وبنوا الحكم بالشام، ووثب المختار بن أبي عبيد وغيره بالعراق. وذلك في أواخر عصر الصحابة وقد بقي فيهم مثل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وغيرهم حدثت"بدعة القدرية والمرجئة"، فردها بقايا الصحابة كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة بن الأسقع وغيرهم -رضي الله عنهم- مع ما كانوا يردونه هم وغيرهم من بدعة الخوارج والروافض. وعامة ما كانت القدرية إذ ذاك يتكلمون فيه: أعمال العباد كما يتكلم فيها المرجئة فصار كلامهم في الطاعة والمعصية والمؤمن والفاسق ونحو ذلك من مسائل"الأسماء والأحكام"و"الوعد والوعيد"ولم يتكلموا بعد في ربهم ولا في صفاته إلا في أواخر عصر صغار التابعين من حين أواخر"الدولة الأموية"حين شرع"القرن الثالث"- تابعوا التابعين - ينقرض أكثرهم - فإن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن -وهم وسطه- وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى أنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية؛ وأوائل الدولة العباسية - وصار في ولاة الأمور كثير من الأعاجم وخرج كثير من الأمر عن ولاية العرب وعربت بعض الكتب العجمية من كتب الفرس والهند والروم وظهر ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف» - حدث ثلاثة أشياء."الرأي"و"الكلام"و"التصوف"، وحدث"التجهم"، وهو نفي الصفات. وبإزائه"التمثيل". فكان جمهور الرأي من الكوفة؛ إذ هو غالب على أهلها مع ما كان فيهم من التشيع الفاحش وكثرة الكذب في الرواية مع أن في خيار أهلها من العلم والصدق والسنة والفقه والعبادة أمر عظيم؛ لكن الغرض أن فيها نشأ كثرة الكذب في الرواية، وكثرة الآراء في الفقه، والتشيع في الأصول، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة، فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين بقليل ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء؛ ومن اتبعهما من أهل الكلام والاعتزال. وظهر أحمد بن عطاء الهجيمي الذي صحب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد صحب الحسن البصري ومن اتبعه من المتصوفة وبنى دويرة للصوفية؛ هي أول ما بني في الإسلام وكان عبد الرحمن بن مهدي وغيره يسمونهم"الفقرية". وكانوا يجتمعون في دويرة لهم، وصار لهؤلاء من الكلام المحدث طريق يتدينون به مع تمسكهم بغالب الدين. ولهؤلاء من التعبد المحدث طريق يتمسكون به مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع وصار لهؤلاء حال من السماع والصوت حتى إن أحدهم يموت أو يغشى عليه، ولهؤلاء حال في الكلام والحروف حتى خرجوا به إلى تفكير أوقعهم في تحير. وهؤلاء أصل أمرهم"الكلام"، وهؤلاء أصل أمرهم"الإرادة"، وهؤلاء يقصدون"بالكلام"التوحيد؛ ويسمون نفوسهم الموحدين، وهؤلاء يقصدون"بالإرادة"التوحيد ويسمون نفوسهم أهل التوحيد والتجريد. وقد كتبت قبل هذا في"القواعد"ما في طريقي أهل الكلام والنظر وأهل الإرادة والعمل من الانحراف إذا لم يقترن بمتابعة الرسول."مجموع الفتاوى" (10/ 357 - 360) ."