والكلام عن تعقل معاني القرآن وتدبره،"التدبر"أي النظر إلى دوابر الأمور، عواقبها ومآلاتها، لذا يحتل علم مقاصد الشريعة أهمية كبرى لخطورة تطبيقاته والتحريفات التي طالته بين المقاصدية المتفلتين من النصوص من غلاة القياس وبين الظاهرية الجامدة المنكرة للحكمة والتعليل.
قال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} :
و"لعل"في كتاب الله -عز وجل- تأتي بمعنى تحقق الشيء: أي أن من بذل جهده في تدبر القرآن حصل له الفهم إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع، وقد نص على أنه نزل بلسانهم لأجل أن يفهموه؛ فإنه لم ينزل بلسان أعجمي حتى يقفوا عند ألفاظه ويهجروا تدبره وفهمه وتدبره للاعتبار واستخراج الأحكام والفهم عن الله بمعرفة مراده والعمل به، وهو مما يدور في الرد على المفوضة أهل التجهيل ..
جاء في الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يعقل) لأن العقل هو مناط التكليف وغيابه يعد من عوارض الأهلية، ولأن الحاكم هو الله -تبارك وتعالى-؛ فالتحليل والتحريم من حق الله وحده ومهمة الرُسل بيان حُكم الله: {إن الحكم إلا لله} ، فالتشريع حق الله تعالى وحده، أما العقل فهو مناط التكليف وآلة الفهم عن الله فلا تثبت به الشرائع، فالناس محتاجون لبعث الرسل والوحي؛ فنبينا - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم، قال له ربه ممتنا: {ووجدك ضالا فهدى} ، وقال: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} ، والذي عليه أهل السنة أنه وإن كان للعقل تحسين وتقبيح؛ فنفس هذا العقل لا تثبت به أحكام تكليفية ولا وضعية، فلا يثبت حكم شرعي إلا بنقل مصدق، والناس قبل بلوغ أحكام الله لهم عن طريق رسله وكتبه غير مكلفين بشيء من تلك الأحكام لكونها توقيفية لا تدرك إلا بالنصوص، قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، وإنما تقوم الحجة على الخلق ببلوغ أحكام الله لهم -أي بالسماع-، بخلاف من أوجب عليهم معرفة الحق بعقولهم المجردة ورتب على ذلك تأثيمهم، ولهذا عذر الصبي لأنه لا يميز، وعذر المجنون كذلك، وكذلك الأعجمي الذي لا يفهم الخطاب، والجاهل الذي لم يبلغه الخطاب، ومن وقعت له شبهة معتبرة أو تأويل سائغ.