الصفحة 20 من 118

أرجح بدلالة اجتهاد الصحابة في التفسير واختلافهم على ندرته كما سبق ذكره في الدرس الأول؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - لو بيَّن القرآن لفظة لفظة لنُقل إلينا بيانه كما نُقل إلينا ما هو دونه في الأهمية، ولما كانت هنالك فائدة من نزول كلام الله بلسان عربي مبين؛ فقد كان الكفار يسمعون القرآن ويفهمونه دون شرح وتفسير من النبي، ويسلمون بمجرد سماعه لشدة سطوة بيانه ولما كان لابن عباس -رضي الله عنهما- من مزية وقد مدحه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (نعم ترجمان القرآن أنت) ، وقد خصه بالدعاء له: (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل) .

فالراجح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لهم ما افتقر إلى بيان أو ما أشكل عليهم ودلهم إلى أصول التفسير ليجتهدوا في فهم ما كان يسع فيه الخلاف ولم يتطرق إلى بيان ما لا فائدة من بيانه؛ كلون كلب أصحاب الكهف، وطول عصا موسى، أو من أي الشجر كانت، وأنواع الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، ونحو ذلك؛ ولكن نقطع بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لهم كل ما هم محتاجين إليه ولا يجوز الاختلاف فيه؛ كأصول الدين والشرائع والمعاملات، ولم يكتم من الرسالة التي أمر بتبليغها شيئًا حاشاه، كما في صحيح مسلم من حديث جابر الطويل قوله - صلى الله عليه وسلم: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات) .

ولهذا تقول أمنا عائشة -رضي الله عنها-:"لو كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يكتم شيئًا من القرآن لكتم آية العتاب، قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} "، وقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين} ، قال ابن كثير:"يقول تعالى: {ولو تقول علينا} أي: محمد - صلى الله عليه وسلم - لو كان كما يزعمون مفتريا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك؛ لعاجلناه بالعقوبة. ولهذا قال: {لأخذنا منه باليمين} ، قيل: معناه لانتقمنا منه باليمين؛ لأنها أشد في البطش، وقيل: لأخذنا منه بيمينه. {ثم لقطعنا منه الوتين} ، قال ابن عباس: وهو نياط القلب، وهو العرق الذي القلب معلق فيه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت