الصفحة 116 من 118

للأمور النافعة، والعلوم الصائبة إلا {أُولُو الْأَلْبَابِ} أي: أهل العقول الرزينة، ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب، وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة، والعقول الواهية، والقصود السيئة. وقوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما تنتهي إليه وتؤول تعيَّن الوقوف على {إِلَّا اللَّهُ} حيث هو تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى. وإن أريد بالتأويل معنى التفسير، ومعرفة معنى الكلام، كان العطف أولى، فيكون هذا مدحًا للراسخين في العلم أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكمها ومتشابهها"اهـ"

قال ابن تيمية:"سأل رجل ابن عقيل فقال له: هل ترى لي أن أقرأ الكلام، فإني أحسن من نفسي بذكاء؟ فقال له: (إن الدين النصيحة، فأنت الآن على ما بك مسلم سليم، وإن لم تنظر في الجزء - يعني الجوهر الفرد - وتعرف الطفرة - يعني طفرة النظام - ولم تخطر ببالك الأحوال، ولا عرفت الخلاء والملاء والجوهر والعرض، وهل يبقى العرض زمانين، وهل القدرة مع الفعل او قبله، وهل الصفات زوائد على الذات، وهل الاسم المسمى أو غيره، وهل الروح جسم أو عرض، فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا تذاكروه، فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن، وإن رأيت طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة، فبئس الاعتقاد والرأي) . قال: (ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك، وأخرج كثيرًا منهم إلى الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات كلامهم، وأصل ذلك كله أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع، وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه ما علمه هو من حقائق الأمور، وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعات، ولما راموا ما وراءها ردوا إلى مقام غايته التحكيم والتسليم، وهو الذي يزرى به طائفة المتكلمين على أهل النقل والسنة، وتسميهم الحشوية، وإليه ينتهي المتكلمون أيضًا، لكنهم يتحسنون بما ليس لهم، وبما لم يتحصل عندهم، فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم، ويتغانى على الفقراء وهو عديم، والعقل، وإن كان للتعليل طالبًا، فإنه يذعن بأن فوقه حكمة إلهية، توجب الاستكانة والتحكيم لمن هو بعض خلقه) ". (درء التعارض) (8/ 48)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت