حيث وقف النقل ونثبت ما أثبته ونسلم لأنه لا يسلَم في دينه إلا من سلم لله -عز وجل- ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلا نعترض على ما جاء به الرسول عن ربه، فإن فهمنا الحكمة حمدنا الله وأن لم نفهم سلمنا دون اعتراض.
قال الإمام الزهري -إمام الأئمة في عصره وعين علماء الأمة في وقته-:"على الله البيان، وعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - البلاغ، وعلينا التسليم"، وعن بعض السلف:"قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم".
وعن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال:"يا أيها الناس! من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال -عز وجل- لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} ".
وروى البخاري عن الزبير بن عربي قال: سأل رجل ابن عمر -رضي الله عنهما- عن استلام الحجر، فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ويقبله، قال قلت: أرأَيت إن زحمت، أرأَيت إن غلبت. قال: اجعل"أرأَيت"باليمن، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ويقبله". قال الحافظ ابن حجر على قول ابن عمر:"اجعل أرأَيت باليمن":"وإنما قال له ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي فأنكر عليه ذلك وأَمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به ويتقي الرأي"."
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- لمن عارض السنة بقول أَبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-:"والله ما أَراكم منتهين حتى يعذبكم الله. أُحدثكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتحدثونا عن أَبي بكر وعمر".
قال العلامة السعدي -رحمه الله-:"إن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين الذي لا يشتبه بغيره، ومنه آيات متشابهات، تحتمل بعض المعاني ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم، فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه، فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طلبًا للفتنة وتحريفًا لكتابه، وتأويلًا له على مشاربهم ومذاهبهم، ليضلوا ويضلوا. أما أهل العلم الراسخون فيه، الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم فأثمر لهم العمل والمعارف، فيعلمون أن القرآن كله من عند الله، وأنه كله حقٌّ، محكمه و متشابهه، وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف، فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان، يردُّون إليها المشتبه إلى المحكم، فيعود كله محكمًا، ويقولون {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ} "