عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله"، وسأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه الله أعلم بهما، نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم."
وعن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال:"أنا لا أقول في القرآن شيئا"، وسأله رجل عن آية فقال:"لا تسألني عن القرآن وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه -يعنى عكرمة-"، وكأن هذا الكلام مشعر بالإنكار على من يزعم ذلك، وقال ابن سيرين:"سألت عبيدة عن شيء من القرآن فقال: اتق الله وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن"، وعن مسروق قال:"اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله"، وعن هشام بن عروة قال:"ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله"، وإنما هذا كله توق وتحرز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقول فيه من غير تثبت، وقد نقل عن الأصمعي وجلالته في معرفة كلام العرب معلومة أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله وإذا سئل عن ذلك لم يجب.
أما ما كان جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة؛ فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما لأمور؛ أحدها أن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن، فلا بد من القول فيه بما يليق [1] .
قال:"ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله":
نص على قاعدة أخرى من قواعد منهج التلقي والنظر والاستدلال عند أهل السنة بل هي أصله الأصيل:
وهو أن مصدر التلقي هو كتاب الله ثم سنة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة وإجماع السلف الصالح وفهمهم، فلا يعارض شيء من الكتاب أو السنة الصحيحة بقياس ولا ذوق ولا كشف ولا بأقوال الرجال وإن علت أقدارهم؛ فإن
(1) بتصرف من (الموافقات) .