الصفحة 10 من 118

اجتهادات الصحابة:"أما التعلق بحديث ابن مسعود عن نفسه فلا حجة فيه وإنما كانت الحجة تقوم لو أسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وصح عنه، فأما ما اجتهد هو فيه لنفسه وأنبطه [1] بفكره فغيره من الصحابة --رضي الله عنه-م- مساوٍ له فيه أو فوقه، وبتعارض أقوالهم يرجع إلى الاجتهاد)، وأيضا فإن الترجيح مرهون بالتفريق بين الرأي الباطل الذي ليس من الدين والرأي الحق الذي لا مندوحة عنه لأحد من المجتهدين [2] ، فأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية والأدلة الشرعية؛ فهذا هو الرأي المذموم لأنه تقول على الله بغير برهان فيرجع إلى الكذب على الله تعالى، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن كما نقل عن الصديق، فإنه لما سئل في شيء من القرآن قال:"أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم"، وروى عن ابن مسعود:"ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وعليكم بالعتيق"، وعن عمر بن الخطاب:"إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه"، وعن عمر أيضا:"ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ولا من فاسق بيِّن فسقه، ولكني أخاف

(1) أنبط الماء إنباطًا بمعنى استخرجه وكل ما أُظهر بعد خفاء فقد أُنبط واسْتُنِبط ومنه الاستنباط استفعال من أنبط، قال الله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ، قال الحافظ ابن حجر في كتابه (فتح الباري) :"ونقل عن ابن التين عن الداودي أنه قال في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] قال: أنزل سبحانه وتعالى كثيرًا من الأمور مجملًا ففسر نبيه ما احتيج إليه في وقته، وما لم يقع في وقته وَكَلَ تفسيره إلى العلماء بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] ".

قال العلامة عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- في معنى الآية:"هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين أو بالخوف الذي فيه مصيبة؛ عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك، وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية؛ وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه؛ هل هو مصلحة فيُقْدِم عليه الإنسان، أم لا فيحجم عنه"اهـ

(2) قال ابن القيم في (إعلام الموقعين) :"الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به وأفتوا به، وسوغوا القول به، وذموا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله والقسم الثالث: سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحدا العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده؛ فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعي عن القياس، فقال لي: عند الضرورة، وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر الضرورة: لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت