الصفحة 9 من 118

في قوله أن:"الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين والباطل الواضح والحق المبين"إشارةٌ إلى خطورة قبول التفاسير دون نقد أو تمحيص لوجود كثير من الأقوال الخاطئة في كتب التفسير مردها إما إلى جهة النقل أو إلى جهة الاستدلال، أما التفاسير التي تعنى بنقل آثار السلف؛ فلا يوجد فيها أخطاء من جهة الاستدلال لمجانبتهم للآراء المذمومة وإن كان فيها بعض الآثار الضعيفة كالمروي عن بني إسرائيل لا بطريق الوحي [1] ، أما كتب المتأخرين؛ فمدخولة من الجهتين: جهة النقل -احتواؤها على أحاديث منكرة وموضوعة-، وجهة الاستدلال.

لمح إلى نوعي التفسر النقلي والعقلي:

-المنقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أي"التفسير النبوي": وهو ما كان مستنده النقل الصحيح الثابت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة؛ مثل ما يرويه الصحابة من أسباب النزول، أو ما كان موقوفا عليهم ويأخذ حكم الرفع لكونه مما لا مجال للرأي أو القياس إليه ولا يدخل فيه الاجتهاد؛ فهو حجة.

-المعقول: كاختلاف الصحابة في تفسير قوله تعالى: {أو لامستم النساء} ، هل هو الجماع أم المس والجس، واختلافهم في المراد بلفظ"القرء"؛ هل هو الطهر أم الحيض، والمراد بـ"العاديات"؛ هل هي الإبل أم الخيل، وأضراب ذلك مما كان مستنده الرأي المحمود، فإنه داخل في باب التفسير المعقول وإن كان ليس بحجة حتى يقوم به دليل مصدق. قال القاضي ابن العربي المالكي في (تبيين الصحيح في تعيين الذبيح) مبينا الموقف الصحيح من

(1) قال ابن كثير -رحمه الله- في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر حديث: (بلّغُوا عنِّي ولو آية وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأْ مقعده من النار) :"ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد. فإنها على ثلاثة أقسام:"

أحدها: ما علمنا صحتَه مما بأيدينا مما نشهدُ له بالصدق، فذاك صحيح.

والثاني: ما علمنا كذبَه بما عندنا مما يخالفه.

والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمِنُ به ولا نكذّبه، وتجوزُ حكايتُه لما تقدّم. وغالبُ ذلك مما لا فائدة فيه تعودُ إلى أمرٍ دينيّ. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك. كما يَذكرون في مثل أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعِدّتهم، وعصا موسى من أيِّ شجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نقلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز. كما قال تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} إلى آخر الآية [الكهف: 22] . تفسير ابن كثير: (1/ 31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت