ووسيلته إلى ذلك هي تكوين الفرد المتوازن. فمثل هذا الفرد بطبيعة توازنه، لن يعتدي على حقوق غيره، لأن الاعتداء ينشأ من الإسراف، أي من عدم التوازن في نفس الفرد من الداخل. وحين يكون كل فرد متوازنًا في ذاته، يتكون بطريقة ذاتية مجتمع متوازن الأغراض والنزعات.
لذلك يعني الإسلام عناية شديدة بكل فرد على حدة، لأنه الوحدة التي ينشأ المجتمع من اجتماعها بغيرها من الوحدات، واللبنة التي يقوم عليها البناء.
وعناية الإسلام بالفرد طفلًا ومراهقًا وشابًا وكهلًا وشيخًا، قد تشبه في بعض مظاهرها عناية الدول الجماعية، ولكنها تختلف عنها في جوهرها أشد الاختلاف.
ففي تلك الدول الجماعية تشرف الدولة بنفسها على تنشئة الأطفال بوسائلها الخاصة، وعلى يد أشخاص معينين هي التي تنتدبهم لهذا العمل، وتراقبهم في أثناء قيامهم بواجبهم، رقابة علنية حينًا وسرية على الدوام. ذلك لأنها لا تثق بهم، ولا تستطيع أن تكلهم لضمائرهم، لأنها لا تعنى بتربية هذا الضمير. كما أن موضع التقديس الذي تربط به المشاعر والأفكار وتنشأ عليه الأجيال هو"الدولة"لا العقيدة، وهو"الحاكم"ذو السلطان.
أما الإسلام فلا يحتاج لشيء من ذلك كله، لأن إيمان أهله به، الإيمان الذي يصلهم بالله مباشرة، يعبدونه دون شريك من دولة أو سلطان، يجعلهم يتطوعون بتنشئة أولادهم على عقيدة الإسلام، لا يرجون من وراء ذلك مغنمًا، ولا يصنعونه خوفًا من حاكم أو رقيب، إلا الله الذي يخلصون له أرواحهم ويسلمون له أنفسهم.
بل لا يحس الأب المسلم والأم المسلمة حين ينشئان أبناءهما على عقيدة الإسلام أنهما قد"تطوعا"بشيء، بل هو واجبهما الطبيعي الذي لا ينتظران من أحد أن ينبههما إليه، فهو البديهية الأولى في حياة الأسرة، لا تحتاج إلى تفكير.
وحين يربي الآباء والأمهات طفلهم على المبادئ الإسلامية الصحيحة، فهم أولًا: لا يكبتون رغائبه وأشواقه لأن الكبت مناف لطبيعة الإسلام. بل يضبطون نزعاته الفطرية وينظمونها، ويربون في نفسه تلك الإرادة الضابطة التي تتحكم في تصريف الطاقة الحيوية، فلا هي تستأصلها من منبتها، ولا هي تطلقها بدون حدود. وبذلك ينقذ الطفل بما لا يمكن أن ينشأ في نفسه من اضطرابات عصبية ونفسية، تكون في مستقبل أمرها خطرًا لا على الفرد وحده، بل على بقية المجتمع كذلك، إن لم يكن بتوجيه هذا الفرد إلى الجريمة، فعلى الأقل بتبديد طاقة حيوية نافعة.
وهم ثانيًا: يبذرون في نفسه بذور الأخلاق التي ترتفع بمشاعره، وتتسامى بها عن الأنانية البغيضة التي تؤذي الغير حبًا في أكبر قسط من الاستمتاع.
وهم ثالثًا: يقيمون في نفسه ضميرًا حيًا، يراقب أعماله ويحاسبه عليها أولًا بأول، ليضمنوا أن يطيع دافع الخير، ويمتنع عن دافع الشر، لا خوفًا من السلطان القاهر في الخارج، ولكن طاعة لله، وحبًا في أن يعيش الإنسان مع غيره في سلام ومودة وإخاء.
وهم أخيرًا: يربون فيه الأنفة والعزة التي تستنكف أن تخضع لإرادة بشر على ظهر الأرض إذا خالفت إرادة الله، والتي لا تقبل الظلم يقع عليها من مخلوق.
والحديث بالتفصيل عن وسائل التربية على الطريقة الإسلامية الصحيحة ليس مجاله في هذا الكتاب، فهو مبحث مستقل يمكن أن تؤلف فيه الكتب المطولة. وحسبي أن أذكر المبادئ العامة التي تشير إلى الطريق [1] .
(1) كتبت بعد هذه الإشارة الموجزة كتابًا عن التعليم في مصر -لم ينشر بعد- يشتمل على فصل عن التربية الإسلامية ثم أخرجت كتابًا بعنوان"منهج التربية الإسلامية"شرحت فيه نظرية الإسلام التربوية بقدر من التفصيل.