ومن هذا الفرد الواحد، انتقلت الفكرة، بل الروح الجديد، إلى خديجة، ثم إلى أبي بكر، ثم إلى علي بن أبي طالب، ثم إلى غيرهم من الأفراد، في بطء وحذر، كأنما هو روح غريب يتلفت حواليه في كل خطوة، ويذرع الأفق كله ببصره قبل الخطوة التالية.
وكل فرد من أولئك المهتدين أصبح في ذاته شمسًا مشعة، قبست من النور الأعظم قبسة، فتوهجت، وتألقت، وراحت بدورها تضيء آفاقًا جديدة مما حولها، وتنشر النور العلوي في ركام من الظلام.
وقام المشركون الذين عبت قلوبهم وأرواحهم من ظلمات الأرض، قاموا فزعين مبهورين، يقاومون النور الجديد، وإن كانوا يحسون في أعماقهم أنهم أضعف من أن يقفوا في سبيله. بل هم يزدادون تشبثًا بالظلام، كلما أوغل عليهم النور، كما يتشبث الناس بالجرف المنهار، كلما أوغلوا في الانهيار!
وقامت الحرب بين الهدى والضلال، ولم يكن ثمة بد من قيامها، فتلك سنة الله في الأرض. وأتم الله نوره، فغلبت كلمة الحق"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ"وتزايد"الأفراد"المؤمنون حتى صاروا هم الكثرة الغالبة، وأصبحوا هم المجتمع الإسلامي. وهذه النشأة التاريخية، التي تلتقي في نظامها بكل حركة أخرى حدثت في التاريخ، تؤكد قيمة الفرد المتميز الموجه، الذي ينبثق النور من روحه أول مرة، فينتشر بعد ذلك في الآفاق. ولكن الأمر في الإسلام أشد وضوحًا وأعمق غورًا. فكل الحركات الأخرى، والأوربية منها خاصة، كانت عوامل قيامها كلها أو معظمها كامنة في المجتمع ذاته، بحيث كانت الثورة هي الخطوة الطبيعية المنتظرة من تفاعل الظروف؛ ومن ثم ينطبق عليها التفسير المادي أو الاقتصادي للتاريخ.
ولكن هذا لم يكن شأن محمد صلى الله عليه وسلم وشأن الإسلام. وليس معنى ذلك أن الإسلام كان غريبًا كله على المجتمع العربي الذي ولد فيه، وانتشر منه. فلو لم يكن هناك استعداد للاستجابة إلى هذا الدين الجديد، ما استطاع -بأي جهد- أن يثبت أركانه. ولكن الذي نريد أن نثبته ونؤكده أن الواقع المادي والاقتصادي للعرب في الجزيرة العربية، بل للعالم أجمع حينذاك، لم يكن يؤدي -بطريقة ذاتية- إلى ظهور هذا النور الجديد، بنفس الطريقة التي قامت بها الثورة الفرنسية أو الثورة الشيوعية. وبعبارة أخرى لو لم يبعث الله رسوله بهذا الدين، لما اهتدت البشرية من تلقاء نفسها إليه في تناسقه العجيب، وتمشيه الكامل مع الفطرة الإنسانية، واستجابته لكل مطالبها في توازن شامل دقيق.
لذلك كله ينظر الإسلام إلى الفرد على أنه في ذاته كائن جدير بالاحترام والتقدير. ومجرد الإسلام أي الاهتداء بنور الله، والامتزاج به، يعطي المسلم هذا التقدير في شعور المجتمع الإسلامي، لأنه يرى فيه نفخة من الله كرمه بها، وارتفع به عن مستوى السوائم من المشركين والملحدين، الذين ينظر إليهم المسلم على أنهم كائنات ممسوخة، هي"شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ".
ومجرد الإسلام يعطي المسلم حصانة من الاعتداء، تصون له كرامته الإنسانية وحقوقه البشرية:"كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله". فلا يجوز قتله -بغير الحق- ولا تلويث عرضه، ولا التعرض لماله إلا بالحق، بل لا يجوز جرح كرامته باللمز والتنابز بالألقاب في المواجهة، ولا بالغيبة في غيابه، ولا التجسس عليه، ولا دخول بيته بغير إذن ...
فإذا رجعنا إلى الصورة التي رسمناها للعلاقة المتبادلة بين كل فرد وكل فرد في المجتمع، أدركنا في الحال أن هذا التكريم للفرد يشمل كل فرد، فيشمل المجتمع كله في نفس الوقت. وهذا ما نقصد إليه حين نقول: إن الإسلام يشمل الفرد والمجتمع بنظرة واحدة شاملة.