وسواء كان إهمال القيم الخلقية في النظم الدكتاتورية ناشئًا من أنها بطبيعتها -في الغالب- دكتاتوريات هابطة من الوجهة الإنسانية، أو كان ضرورة للتنفيس عن المكبوتين، وشغلهم بملذات الجسد المتاحة، عن إعمال الفكر واعتناق المبادئ"الخطرة!"أو كان مرده إلى هذا وذاك .. فإن الواقع المشهود أن الدكتاتورية الفكرية تلتقي دائمًا مع الانطلاق الحيواني الشديد.
ولا شك أن هذه الدكتاتوريات تؤدي خدمات ما إلى القطيع الذي تكبله وتقوده، فالشعب في روسيا الشيوعية خير مما كان أيام القياصرة وحكم الإقطاع. وقد استطاع النظام الجديد أن يحقق عدالة اقتصادية لم تكن تتاح من قبل لهذا القطيع ذاته، حين كان يستغله أصحاب الأملاك فيمتصون دمه، ويتركونه جثة تعمل فيها الأمراض والأوجاع، وتلقي بها في النهاية بين ركام الثلوج، وفي صقيع الفقر والحرمان.
ولكن عيبها، ككل دكتاتورية على وجه الأرض، أنها لا تساير طبائع الأشياء، وتهبط بالإنسان من آفاقه العليا كائن له إرادة حرة وكيان مستقل. صحيح أن إرادته يحدها الصالح العام، وكيانه المستقل يخضع لقدر من الإشراف يتحقق به في النهاية صالح الفرد ذاته، بتحقيق صالح المجموع ... ولكن الفرد في المجتمع الحر له رأي في تكييف هذا الصالح العام وفي طريقة تنفيذه. رأي حر يتشاور فيه الناس علانية دون خوف من سلطان الدولة ولا تجسس الرقباء ... ومن احتكاك الآراء وتمحيصها تتبلور وتنصقل، فتكون أقدر على الوصول إلى الخير. والفرد حر في مشاعره -التي لا تؤذي غيره- يصوغها كما يشاء له كيانه وبنيته النفسية الخاصة. حر في نظرته الشخصية التي ينظر بها إلى الحياة والكون في حدود الإطار العام الذي يتحرك فيه الجميع متعاونين غير متصارعين. وحر في اختيار العمل الذي يناسبه ويشعر أنه ميسر له ...
ومن هذه الحرية تنبع الأفكار"التقدمية"وتؤثر في تطور البشرية. ومن الدوافع الفردية، دوافع الملك، وتحقيق الذات، والرغبة في التميز والبروز، يتقدم العلم والصناعة والإنتاج. ومهما كانت الأهداف الجماعية فلا يمكن أن تكون في قوة النوازع الفردية. ومهما ارتقت الإنسانية فإنما ترتقي في حدود فطرتها. وقد يصل إلى الذروة أفراد، فيحسون أن كيانهم الذاتي لا يتحقق إلا حين يهبون أنفسهم للجماعة. ونحن نحب هؤلاء ونمنحهم من إعجابنا الشيء الكثير، ولكنهم بعد ذلك أفراد .. أما الأغلبية الساحقة من الناس ففي حدود فطرتهم يكون ارتقاؤهم، وليس في وسعهم -أو على الأقل لم يسعهم حتى اليوم- أن ينحّوا دوافعهم على طول الخط.
وإن إنكار حق الفرد الممتاز في القيادة والتوجيه لجريمة مزدوجة: فهو أولًا يبدد طاقة بشرية من نوع نادر متميز، كان يمكن أن يستفيد بها المجموع لو أتيحت لها الفرصة المناسبة. وهو كذلك يظلم هذا الفرد حين يعامله معاملة الأفراد العاديين، بدعوى المساواة المطلقة بين الجميع. فطالما أن الناس مختلفون في طاقاتهم الفردية، واستعداداتهم الجثمانية والفكرية والنفسية، كما يختلف كل شيء في هذا الكون بين القوة والضعف، والعظمة والضآلة، فدعوى المساواة المطلقة خرافة حمقاء، أو ظلم لا يقف ضرره عند حد.