وعبثًا يزعم دعاة الشيوعية أن مكانة الفرد عندهم محفوظة، وأن الامتياز موضع تقدير الدولة ومكافأتها. فالواقع أنهم في فلسفتهم النظرية ينكرون أن هناك فردأ ممتازًا بالمعنى الذي نقصد إليه، ويزعمون أن الفرد هو نتاج المجتمع الذي يعيش فيه، وهو يمثله فحسب، فلا يمكن بحال أن يشذ عنه. وغاية ما قد يتميز به عن غيره من أفراد القطيع، أن يكون مزودًا بقدرة على"فهم"الأمور على وضعها الصحيح! أما الذاتية المتميزة، التي تقدر على القيادة، والتي تتفوق على مجتمعها بحيث تؤثر فيه أكثر مما تتأثر به، وتدفعه إلى تغيير عقائده ونظم حياته، بمقدرتها الفذة على التأثير والتوجيه، فتلك كلها خرافة لا وجود لها إلا في نفوس المتأخرين من أمثالنا، الذين يؤمنون مثلاُ بأن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يغير وجه البشرية بما أوحي إليه من عند الله، وبطريقته في تنفيذ ما أوحي إليه؛ تلك الطريقة التي تعكس شخصيته الفذة العميقة، التي ترتفع في قوتها وتوازنها مع تعدد جوانبها، إلى قمة البشرية في تاريخها الطويل [1] . والذين يؤمنون كذلك بأن عمر بن الخطاب -بشخصيته الذاتية التي استطاعت أن تستلهم روح الإسلام -قد أنشأ نظامًا للدولة الإسلامية، وأشرف على إقامة مثل عليا في سياسة الحكم وتنظيم المجتمع، كانت كلها قائمة على وجوده الشخصي إلى جانب قيامها على بقية العوامل الأخرى، وقد رأينا أن كثيرًا من هذه العوامل قد انهار حين تولت أمور المجتمع الإسلامي شخصيات أخرى من نوع آخر ...
هذا من الوجهة النظرية في فلسفة الشيوعيين. أما من الوجهة العملية فإن ثلوج سيبريا الباردة ومعسكرات الاعتقال القاسية، في انتظار كل من يسول له امتيازه أن ينتقد شيئًا من النظام الشيوعي، أو يفكر مرة واحدة في انتقاد الإله المسيطر ذي القوة والجبروت."بابا ستالين" [2] !
على أن الضرر الاجتماعي والفردي للدكتاتوريات لا يقف عند هذا الحد، فهي دائمًا تعمد إلى إقامة عدو توجه إليه طاقة الكراهية التي كان يمكن أن توجه إلى الدولة ذاتها لولا الحديد والنار، والسهوب والثلوج؛ وينفس في الوقت ذاته عن الرصيد المكبوت من المشاعر والأفكار، ولكن النتيجة الحتمية لذلك التوجيه هي إقامة البغضاء بين طبقات الشعب الواحد في مبدأ الأمر. فإذا تمت السيطرة الكاملة لإحدى الطبقات، فسحقت غيرها وأفنتها، توجهت طاقة البغض إلى الشعوب الأخرى، وقامت الحرب المؤكدة في آخر الأمر سواء من هذا المعسكر أو ذاك، لتحقيق السيطرة أو لرد الاعتداء، فلا يمكن أن يعيش العالم في سلام وإخاء. والتاريخ يثبت أن كل الدكتاتوريات سواء في هذه الجريمة، أيًا كانت الفكرة لتي تقوم عليها وتسند بها دكتاتوريتها.
(1) يميل بعض المسلمين إلى التطرف فيجعلون الفضل كله في الرسالة لا للرسول. ويميل بعض الأوربيين إلى تعظيم قدر محمد صلى الله عليه وسلم، ليصلوا بذلك إلى غاية خبيثة هي نفي وجود الرسالة. والذي أراه أن كلا الرسالة وشخصية الرسول كان له أثر حاسم في إعطاء الإسلام صورته الحقيقية وكل من عند الله.
(2) كنت قد كتبت هذا في الطبعة الأولى وكان ستالين حيًا يسيطر على روسيا بسلطانه المطلق. وكان الشيوعيون في مصر يجادلونني أشد الجدل في هذا الأمر، وينفون أن في روسيا دكتاتورية! فلما مات ستالين جاءت الأخبار من روسيا ذاتها كما يعلم القراء، بأن ستالين كان دكتاتورًا فظًا مجرمًا يحكم الشعب بالحديد والنار والتجسس! وقامت الحملات في روسيا لإزالة القداسة من الصنم القديم، وقالت الصحف إن الحكم الفردي المطلق لن يعود لروسيا أبدًا!