الإنسان وجميع أقواله وأفعاله لأجل الله عزَّ وجل على مراده، والمعنى أنَّ كلَّ حركة يقوم بها المسلم في حياته يكون الدافع لفعلها رجاء محبة الله ورضوانه، فقول القول لله وتركه لله، وفعل الفعل لله وتركه لله ... وهكذا فحياته لله جميعها، بل وموته لله كما قال تعالى آمرًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقِّرر هذا للناس، فقال: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [1] .
ومن أمثلة العبادة أيضًا طلب العلم وطلب الرزق والنفقة على الأهل والأولاد وتربيتهم ومعاملة الناس بالحسنى والتحلِّي بالأخلاق الفاضلة.
بل إنَّ الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة، فالمزارع والصانع والتاجر وغيرهم من أصحاب الأعمال تُعتَبر أعمالهم عبادة إذا قصد بها كلٌّ منهم نفعَ عباد الله والاستغناء عن الحاجة إلى الناس وإعالة العيال، تحقيقًا لأمر الله سبحانه وتعالى [2] .
وعلى هذا فكلُّ ما أُمر به شرعًا سواءً كان من الشعائر أو من سائر أحوال الناس إذا ابتغى به فاعله وجه الله - عزَّ وجل - فهو عبادة سواء رتّب الشارع عليه جزاءً مُحدَّدًا أو أتى الأمر به مُطلقًا دون تحديد جزاء، وهذا من فضل الله ورحمته بعباده، فمثال ما رُتِّب على فعله جزاء ويحصل للمسلم هذا الجزاء إذا كان إنما فعله من أجل الله ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة» [3] .
فاشتمل الحديث على بعض الآداب، وجعل الشارع القيام بها عبادة يُثاب عليها المسلم إذا نوى أنه إنما قام بها من أجل الله عزَّ وجل، كما أن التحلِّي بالأخلاق يُعتبر عبادةً أيضًا، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق» [4] .
ومثل ما أُمر به شرعًا ولم يُحدَّد على فعله جزاءً معينًا، ويعتبر القيام به عبادة إذا نُوي بها القربة لله ويؤجر عليها، إجابة دعوة المسلم، قال عليه الصلاة والسلام «إذا دُعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصل، وإن كان مفطرًا فليطعم» [5] . فمن كانت نيته في إجابة الدعوة امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وإدخال السرور على
(1) سورة الأنعام الآيتان (162 - 163) .
(2) ينظر كتاب: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للشيخ عثمان ضميرية ص (285) ط: الأولى. مكتبة السواري - جدة.
(3) أخرجه البخاري (5/ 226) في الصلح، ومسلم رقم (1009) في الزكاة.
(4) أخرجه مسلم رقم (2626) في البر والصلة.
(5) أخرجه مسلم رقم (1150) في الصيام، وأبو داود (2461) في الصوم، والترمذي (780) في الصوم.