رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [طه: 92، 93] ، وموسى قال له: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] . نهي: وهو لامه على أنه لم يتبعه، وقال: أفعصيت أمري؟ وعباد العجل كانوا مفسدين، وقد جعل هذا كلّه أمرًا، وكذلك قوله: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] فهم لا يعصونه إذا نهاهم. وقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، فمن ركب ما نهى عنه فقد خالف أمره، وقال تعالى: {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] وإنما كان فعلًا منهيًا عنه، وقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، هو يتناول ما نُهي عنه، أقوى مما يتناول ما أُمر به، فإنه قال في الحديث الصحيح: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» [1] ، وقوله: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} [النساء: 42] فالمعصية: مخالفة الأمر، ومخالف النهي عاص، فإنَّ مخالف الأمر وفاعل المحظور، قد يكون أظهر معصية من تارك المأمور، وبالجملة فهما متلازمان. كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده، ومن نهى عن فعل أمر بفعل ضده، كما بسط في موضعه، ولكن لفظ الأمر يعمُّ النوعين، واللفظ العام قد يخصُّ أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام للنوع الآخر، فلفظ الأمر عام، لكن خصُّوا أحد النوعين بلفظ
(1) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.