الصفحة 13 من 29

والقراء العشر يقرأون {فَتَبَيَّنُوا} من التبين، إلا قراءة حمزة والكسائي ففيهما: {فَتَثَبَّتُوا} من التثبت [1] .

قال الإمام القرطبي ~: (قيل إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عُقبةَ بن أبي مُعَيط، وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليدَ بن عُقبةَ مُصَدِّقًا - أي يأخذ الصدقات - إلى بني المصطَلِق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم - في رواية: لإحنة كانت بينه وبينهم -، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبيُّ الله (خالدَ بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالدًا أنهم متمسكين بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد، ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله(فأخبره، فنزلت هذه الآية) [2] .

والشاهد أن النبي أمر (خالدًا > لما أتاه الخبر أن يتثبت ولا يتعجل، ولما ذهب خالد للتحقق من الخبر وجده غير صحيح، فإذا كان وجود الشائعات والأخبار المكذوبة جائزًا في عهد رسول الله (وبين أصحابه، فهو في عهد غيرهم من باب أولى، كما في زماننا وواقعنا الذي نعيشه، ولهذا كان الأمر بالتثبت في غير أزمان الصحابة أشد وآكد.

يقول الشيخ عبد العزيز الطريفي - فك الله أسره: (أمر الله بالتثبت في رواية الأخبار والأقوال، وكلما كان أثر الخبر عظيمًا على الناس، كان التثبت فيه أوجب) [3] .

وقال: (وإذا كان الكلام يتصل بغير الله ورسوله، فأعظمه أشده موضعًا، كالذي يتعلق بأعراض الناس كالقذف، وما يتعلق بأماناتهم وأموالهم، وما تؤكل به حقوقهم، وكلما كان الأثر عظيمًا، وجب التثبت فيه، ولو لم يكن بالنقل عن شخص بعينه، كالكلام الذي يتعلق بخوف الناس وأمنهم، فقد جعل الله نقل مثل هذا الكلام بلا تثبت من صفات المنافقين: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ، ونقل الكلام لا يُعفي ناقلَه، ولو لم يكن قائلَه، فالناقل شريك في حكاية الأقوال بلا تثبت، كما قال (: {كَفَى بِالمَرْءِ إِثمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ} [4] [5] .

7 -وقوله تعالى: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [6] .

(1) الجامع لأحكام القرآن، 19/ 368، بتصرف.

(2) المصدر السابق، 19/ 368.

(3) التفسير والبيان، 4/ 2064.

(4) سنن أبي داود (4992) ، والسنن الكبرى للنسائي (11845) .

(5) التفسير والبيان، 4/ 2065.

(6) المدثر: 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت