لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر رجوع العير ونفير جيش المشركين للقتال، شرع في التحري والتحقق والتثبت من صحة الخبر، ومن ذلك ما رواه ابن هشام في"السيرة النبوية"قال: (ثم ارتحل رسول الله(من ذفران ... ثم نزل قريبًا من بدر، فركب هو ورجل من أصحابه، وهو أبو بكر الصديق، حتى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم) [1] ، حتى علم منه أمر جيش المشركين.
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، بل أرسل بعضًا من أصحابه زيادة في التحري والتحقق والتثبت من الخبر، كما روى ابن هشام في السيرة أنه بعث عليًا بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه، إلى ماء بدر، يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم، غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما [2] .
2 -غزوة بني قريظة:
معلوم عن اليهود أنهم أهل غدر ونقض للعهود، وأنهم قتلة الأنبياء، ومع ذلك لما خانت يهود بني قريظة العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، وبلغ الخبر رسول الله (، بعث سعد بن معاذ، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخَوَّات بن جبير، فقال: {انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا، أَحَقٌ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ القَومِ أَم لَا} [3] .
فالنبي صلى الله عليه وسلم سعى في التثبت والتحقق من خبر غدر اليهود ونقضهم للعهود رغم تصور هذا في حقهم واحتماله منهم، وهذا يُبَيِّنُ أن منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو التثبت والتحقق من الأخبار، ولو كانت محتملة ومُتَصَوَّرة في حق من نُسِبَت إليه، فالتثبت والتحقق من الأخبار الواردة غير المتصورة في حق من نُسبت إليه من باب أولى، وذلك كالأخبار والشائعات التي تُنسب - كذبًا - للمجاهدين ولا تُتَصوَّر في حقهم، ومنها تلك الشائعات التي تتحدث عن تسليم المجاهدين البلاد لحكم وطني علماني يحكم بالقوانين الوضعية، فهذا خبر غير مُتَصَوَّر في حق من حارب كل المشاريع العلمانية في الساحة حتى قضى عليها.
3 -غزوة بني المصطَلِق:
بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطَلِق قد جمع لحربه من قَدِرَ عليه من قومه ومن العرب، فبعث بُرَيدَةَ بن الحُصَيب الأسلمي ليأتيه بخبرهم، فذهب إليهم وعَلِمَ حالهم، ثم رجع إلى رسول الله (فأخبره
(1) السيرة النبوية، 2/ 367 - 368، بتصرف.
(2) المصدر السابق، 2/ 368، بتصرف.
راوية: الإبل التي يُستقى عليها الماء.
(3) المصدر السابق، 3/ 567، بتصرف.