الصفحة 25 من 29

الكاذبة حبًا للفتنة، وقد كان في أصحاب الإفك قوم مسلمون، ولكنهم خاضوا حبًا للفتنة. وقال ابن عباس: الإرجاف التماس الفتنة، والإرجاف إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به) [1] .

والمرجِفُ لا يُسمعُ له، سواء كان من المتخصصين في نقل الأخبار، كالصحف والقنوات الإخبارية - وهؤلاء في زماننا ينتشر فيهم الكذب، بل يندر فيهم الصادق المتثبت المتحري للصدق في نقله -، أو كان من الجنود المقاتلين والمجاهدين في سبيل الله، أو كان من عامة المسلمين، أو كان من المنتسبين للعلم والجهاد والمتصدرين للفتوى، بل قد يكون خطر هؤلاء أشد، لانخداع الناس بهم ووثوقهم فيهم واقتدائهم بهم، والتعامل الشرعي مع أي من هؤلاء هو الإعراض عنهم وهجرهم وزجرهم، وإيقاع العقوبة الرادعة لهم عند الإمكان والقدرة.

* منهج التعامل مع الأخبار الصحيحة:

والأصل أنه ليس كل ما يُعلَم يُقَال، وإنما ينبغي مراعاة المصلحة والمفسدة في ذلك، فقد يكون الكلام أو الخبر صحيحًا، لكن ليس من المصلحة نشره بين الناس، وإنما يُخَصُّ به أهل العلم والرأي وأولو الأمر، وهذا المنهج اتبعه رسول الله (، كما اتبعه أصحابه من بعده، وقد أشرنا لكلام عبد الرحمن بن عوف مع عمر بن الخطاب {لما أراد الكلام في موسم الحج أمام العامة، ومن أمثلته كذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، حين أتاه خبر نقض بني قريظة للعهد، فأرسل إليهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وخَوَّات بن جبير} يتحققون الخبر، وقال لهم: {انْطَلِقُوا حَتَّى تَنْظُرُوا، أَحَقٌ مَا بَلَغَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ القَومِ أَم لَا، فَإِن كَانَ حَقًا فَأَلحِنُوا لِي لَحنًا أَعرِفُهُ، وَلَا تَفُتُّوا فِي أَعضَادِ النَّاسِ، وَإِن كَانُوا عَلَى الوَفَاءِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم فَاجهَرُوا بِهِ لِلنَّاسِ} [2] .

فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بكتم الخبر عن الناس ولو كان صحيحًا، وأن يُلحنوا له لحنًا يعرفه هو ولا يعرفه غيره، حتى لا يَفتُّوا في أعضاد الناس، ويكونوا سببًا في تخويفهم وإرباكهم بسبب نشرهم لهذا الخبر، رغم صحته، وذلك لأن في إشاعة مثل هذا الخبر في هذا الموقف شر وفساد كبير - وإن كان صحيحًا -، وهذا فقه نبوي ينبغي مراعاته في نشر الأخبار الصحيحة، فالبعض في زماننا أصبح همَّه مسابقة غيره في نشر الخبر، دون التأكد من صحته وكذبه، ودون النظر إلى ما يترتب على نشره للخبر من مصالح ومفاسد، وهذا ليس من هدي النبوة، ولا من منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإذا كان هذا في الأخبار الصحيحة، فهو في الشائعات والأخبار الكاذبة أشد وآكد.

وتقدير المصلحة أو المفسدة المترتبة على نشر الخبر يرجع لأولي الأمر، وهم الأمراء والعلماء كما جاء في التفسير، ولهذا أمر الله - سبحانه وتعالى - بإرجاع الأمر إليهم في ذلك، وذلك في قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى

(1) الجامع لأحكام القرآن، 17/ 234.

(2) السيرة النبوية، 3/ 567.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت