كما جاء القرآن الكريم بإرساء منهج رشيد محكم في التعامل مع الأخبار والشائعات، فكذلك جاءت بعض النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم تُكمل هذا المنهج الذي أرساه القرآن.
ومن ذلك ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كَفَى بِالمرءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ} [1] .
قال النووي ~: (وأما معنى الحديث والآثار التي في الباب، ففيها: الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حَدَّثَ بكل ما سمع فقد كذب) [2] .
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال [3] .
قال ابن كثير: (أي الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين) [4] ، لأن من استمرأ فعل ذلك فمآله الوقوع في الكذب لا محالة، كما نقلناه عن النووي.
وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا} [5] .
والمطية أي المركوب، ومعنى الحديث كما قال صاحب عون المعبود: (أي أسوأ عادة للرجل أن يتخذ لفظ"زعموا"مركبًا إلى مقاصده، فيُخبر عن أمر تقليدًا من غير تثبت فيخطئ ويجرب عليه الكذب، قاله المناوي ... والمقصود أن الإخبار بخبر مبناه على الشك والتخمين دون الجزم واليقين قبيح، بل ينبغي أن يكون لخبره سند وثبوت، ويكون على ثقة من ذلك، لا مجرد حكاية على ظن وحسبان ... قال الخطابي في المعالم: أصل هذا أن الرجل إذا أراد المسير إلى بلد ركب مطية وسار حتى يبلغ حاجته، فشبَّه النبي صلى الله عليه وسلم ما يُقدِّمه الرجل أمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته من قولهم"زعموا كذا وكذا"بالمطية التي يتوصل بها إلى الموضع الذي يقصده، وإنما يقال"زعموا"في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما هو شيء حُكِيَ عن الألسن على سبيل البلاغ، فذم النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث ما كان هذا سبيله، وأمر بالتثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك، فلا يروونه حتى يكون معزيًا إلى ثبت ومرويًا عن ثقة) [6] .
وقد جاءت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتصرفاته صورة عملية تطبيقية لهذا المنهج الرباني، وهذا له أمثلة كثيرة، منها:
(1) صحيح مسلم (5/ 5) .
(2) صحيح مسلم بشرح النووي، 1/ 133.
(3) صحيح البخاري (6473) ، وصحيح مسلم (14/ 593) .
(4) تفسير القرآن العظيم، 1/ 1087.
(5) سنن أبي داود (4972) .
(6) عون المعبود 2/ 2278، بتصرف.