منهج تلقي الأخبار والشائعات عند السلف
وهذا المنهج كما أنه منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي طبقه في حياته، والذي هو منهج القرآن ابتداءً، فهو كذلك منهج السلف الذي ورثوه عن رسول الله (وعملوا به تأسيًا واقتداءً.
روى البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب > لما بلغه ما يقوله الناس عن تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه، خرج يستوثق الخبر ويتحقق منه، قال: (فَدَخَلتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبكِي، فَقُلتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ (؟، قَالَتْ: لَا أَدرِي، ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى النَّبِيِّ(، فَقُلتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقتَ نِسَاءَكَ؟، قَالَ: {لَا} ، فَقُلتُ: اللهُ أَكبرُ) [1] .
وروى مسلم عن أبي موسى الأشعري > قال: (جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا عَبدُ اللهِ بنُ قَيسٍ، فَلَم يَأذَنْ له، فقال: السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا أَبُو مُوسَى، السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا الأَشعَرِيُّ، ثُمَّ انصَرَفَ، فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى .. مَا رَدَّكَ؟، كُنَّا فِي شُغلٍ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ (يَقُولُ: {الاستِئذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ} ، قَالَ: لَتَأتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلتُ وَفَعَلتُ، فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى، قَالَ عُمَرُ: إِن وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِندَ المنبَرِ عَشِيَّةً، وَإِن لَم يَجِد بَيِّنَةً فَلَم تَجِدُوهُ، فَلَمَّا أَن جَاءَ بِالعَشِيِّ وَجَدُوهُ، قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى .. مَا تَقُولُ؟ أَقَد وَجَدتَ؟ قَالَ: نَعَم، أُبَيَّ بنَ كَعبٍ، قَالَ: عَدلٌ، قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيلِ .. مَا يَقُولُ هَذَا؟، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ (يَقُولُ ذَلِكَ يَا ابنَ الخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصحَابِ(، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّمَا سَمِعتُ شَيئًا، فَأَحبَبتُ أَن أَتثَبَّتَ) [2] .
فعمر > تثبت من الخبر الذي وصله عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع كون الناقل له صحابي جليل، والصحابة كلهم عدول ثقات صادقين، ليس فيهم من يكذب، فضلًا عن أن يكذب على رسول الله (.
وفي معنى ذلك أيضًا ما رواه أبو داود في سننه عن علي > قال: (كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللهِ(حَدِيثًا نَفَعَنِي اللهُ مِنهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصحَابِهِ استَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقتُهُ) [3] .
وروى البخاري عن ابن عباس أن رجلًا قال في موسم من مواسم الحج: (لَو قَد مَاتَ عُمَرُ لقَد بَايعتُ فُلانًا، فَواللهِ مَا كانَتْ بيعةُ أَبِي بَكرٍ إلا فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي إِنْ شَاءَ اللهُ لقَائمٌ العَشِّيةَ في النَّاسِ، فمُحَذِّرهُم هَؤلاءِ الذينَ يُريدُونَ أَن يَغصِبُوهُم أُمورَهُم، قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ: فقلتُ: يَا أَميرَ المؤمِنينَ لا
(1) صحيح البخاري (89) .
(2) صحيح مسلم (37/ 2154) .
(3) سنن أبي داود (1521) .