الصفحة 8 من 29

روى مسلم في صحيحه عن سعد بن هشام بن عامر أنه سأل عائشة < فقال: (يَا أُمَّ المؤمِنِينَ .. أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ (؟، قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ القُرآنَ؟، قُلتُ: بَلَى، قَالَت: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيَّ اللهِ(كَانَ القُرآنَ) [1] ، وفي رواية للبخاري في الأدب المفرد أنها قالت: (كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ) [2] ، وجاء في وصف النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض أهل العلم أنه كان قرآنًا يمشي على الأرض.

وقد جاء القرآن الكريم بإرساء منهج رشيد محكم في التعامل مع الأخبار والشائعات، وذلك في آيات مختلفة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا عمليًا لهذا المنهج الذي أرساه القرآن.

-ومن الآيات التي جاءت في ذلك:

1 -قول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [3] .

وهذه الآية فيها إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيُخبر بها ويُفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، كما قال الإمام ابن كثير ~ [4] .

وقال القرطبي:(والمعنى أنهم إذا سمعوا شيئًا من الأمور فيه أمن، نحو ظَفَرِ المسلمين وقتل عدوهم {أَوِ الْخَوْفِ} وهو ضد هذا {أَذَاعُوا بِهِ} ، أي أفشوه وأظهروه، وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته.

فقيل: كان هذا من ضعفة المسلمين، عن الحسن، لأنهم كانوا يُفشون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويظنون أنهم لا شيء عليهم في ذلك، وقال الضحاك وابن زيد: هو في المنافقين، فنُهُوا عن ذلك لما يلحقهم من الكذب في الإرجاف) [5] .

وقال الأستاذ/ سيد قطب ~: (والصورة التي يرسمها هذا النص، هي صورة جماعة في المعسكر الإسلامي، لم تألف نفوسهم النظام، ولم يدركوا قيمة الإشاعة في خلخلة المعسكر، وفي النتائج التي تترتب عليها، وقد تكون قاصمة، لأنهم لم يرتفعوا إلى مستوى الأحداث، ولم يدركوا جدية الموقف، وأن كلمة عابرة وفلتة لسان قد تجر من العواقب على الشخص ذاته وعلى جماعته كلها ما لا يخطر له ببال وما لا يُتدارك بعد وقوعه بحال!، أو - ربما - لأنهم لا يشعرون بالولاء الحقيقي الكامل لهذا المعسكر، وهكذا لا يعنيهم ما يقع له

(1) صحيح مسلم (139/ 746) .

(2) الأدب المفرد (308) ، وصحيح الأدب المفرد (234) .

(3) النساء: 83.

(4) تفسير القرآن العظيم، 1/ 1086.

(5) الجامع لأحكام القرآن، 6/ 478.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت