الصفحة 24 من 29

* خطورة نشر الشائعات والأخبار الكاذبة:

الشائعات ليس فيها خير أو مصلحة، ولا تكون إلا وسائل هدم، وقد كانت الشائعات سببًا في صد الناس عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وكانت سببًا في تفرق صف المسلمين في عزوة أحد، حين أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِلَ، فاضطربت الصفوف وانهارت المعنويات ووقع الارتباك والتخبط بينهم، فمن الصحابة من فر إلى المدينة، ومنهم من انهارت نفسه وقعد عن القتال في أرض المعركة، وثبت بعضهم واستمروا على قتال المشركين حتى أعاد الله النصر على أيديهم، وكذلك كانت الشائعات سببًا في حصول الاضطراب في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وانتشار ظن السوء بين بعض الصحابة، حين أشاع المنافقون ما أشاعوه عن عائشة < في حديث الإفك، وكذلك في خلافة عثمان > لما أشاع الكاذبون عنه الظلم والمحاباة لأقربائه، وكان عبد الله بن سبأ على رأس هؤلاء الكاذبين، فكانوا سببًا بشائعاتهم في حصول الشر ووقوع الفساد، حتى قُتِلَ الخليفة عثمان >، وكان هذا سببًا في حصول الاقتتال بين علي ومعاوية وغيرهم من الصحابة بعد ذلك، كما كان سببًا في افتراق الأمة، وذلك بظهور الخوارج، ثم الشيعة والمرجئة، وغير ذلك من الفرق التي نشأت وظهرت كردود أفعال على بعضها البعض.

وفي زماننا كذلك كانت الشائعات بابًا للمفاسد والشرور، فقد كانت سببًا في صد الأمة زمنًا طويلًا عن الجهاد في سبيل الله، بسبب ما أشاعه أعداء هذا الدين كذبًا عن المجاهدين، وتصويرهم على أنهم إرهابيين وتكفيريين وأن في حكمهم خراب للأمة، وغير ذلك مما أشاعوه في وسائل الإعلام التابعة لهم، كذلك فقد كانت الشائعات سببًا في حصول كثير من الفتن وتفريق صف المجاهدين بالشام، بل تفريق صف الجماعة الواحدة، وهذا من عظيم الشر والفساد، إذ مآله - للمتأمل المنصف - وقوع الفرقة والاقتتال بين المجاهدين، كما وقعت بين خيرة الصحابة، وربما عظم الشر وآل للصد عن سبيل الله وتعطيل الجهاد، وكفى بهذا إثمًا وشرًا وفسادًا.

والشائعات فيها نوع إرجاف، وذلك أن الإرجاف هو الحديث عن قوة العدو وتجهزه للحرب، على سبيل تخويف المسلمين وبث الخوف والرعب في صفوفهم، ليحصل التخبط والاضطراب بينهم، ويؤول بهم الأمر إلى الهزيمة، وهو نوع من الحرب النفسية، وكثير من الشائعات تحقق شيئًا من هذا المقصد، فالشائعات والأراجيف بينها قدر مشترك قصدًا ومآلًا، ولهذا صار بينها قدر من الشبه الموجب لاشتراك الذم.

قال القرطبي ~ في تفسير قوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} [1] : (وقيل: هم قوم من المسلمين ينطقون بالأخبار

(1) الأحزاب: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت