من جراء أخذ كل شائعة والجري بها هنا وهناك، وإذاعتها، حين يتلقاها لسان عن لسان، سواء كانت إشاعة أمن أو إشاعة خوف .. فكلتاهما قد يكون لإشاعتها خطورة مدمرة!.
فإن إشاعة أمر الأمن مثلًا في معسكر متأهب مستيقظ متوقع لحركة من العدو .. إشاعة أمر الأمن في مثل هذا المعسكر تُحدث نوعًا من التراخي - مهما تكن الأوامر باليقظة -، لأن اليقظة النابعة من التحفز للخطر، غير اليقظة النابعة من مجرد الأوامر!، وفي ذلك التراخي قد تكون القاضية!.
كذلك إشاعة أمر الخوف في معسكر مطمئن لقوته، ثابت الأقدام بسبب هذه الطمأنينة، وقد تُحدِث إشاعة أمر الخوف فيه خلخلة وارتباكًا، وحركات لا ضرورة لها لاتقاء مظان الخوف، وقد تكون كذلك القاضية!) [1] .
وقال الشيخ عبد العزيز الطريفي - فك الله أسره: (يعني أنهم يُعلنون أخبار الأمة وأسرارها، ولا يُفرِّقون بين ما يُعلن وما لا يُعلن) [2] .
وقال: (وإنما نهى الله عن إذاعة الأخبار قبل عرضها على أهل المعرفة بها، لأن الأخبار المرسلة يعتريها الكذب والإرجاف، فقد تكون حقًا ولا يجوز إذاعتها، لأن فيها هتك لذنب مستور وعورة مغطاة، وقد يكون في إظهارها إرجاف وتثبيط للمؤمنين، فأهل المعرفة يستوثقون من الأخبار، ويعرفون صحيحها من سقيمها، والصالح منها للإذاعة وغير الصالح، ولهذا قال الله: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ) [3] .
وقال أيضًا:(وفي إطلاق اللسان بالأخبار آثام لا تُحصى، لفتنة الناس بعضهم ببعض، وبث الخوف أو الجبن أو التسبب في ركونهم إلى الدنيا والافتتان بها، ففي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ} ، وأخرجه مسلم في مقدمة صحيحه.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن المنافق همّه سلامة نفسه وماله وأهله، ولا يعنيه من الأخبار ما يضر بالأمة ويفسدها، فإن الآية في سياق الأخبار المتعلقة بمصالح الأمة ومضارها) [4] .
وقوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} يفيد أن من لم يشمله فضل الله ورحمته بأن يكون من المتثبتين والمتحققين من الأخبار قبل نشرها، فإنه يقع في اتباع الشيطان ويلحق بركب المنافقين الذين أشارت إليهم الآية، ولو كان مُعظَّمًا عند الناس.
2 -وقوله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ
(1) في ظلال القرآن، 2/ 723 - 724.
(2) التفسير والبيان، 2/ 901.
(3) المصدر السابق، 2/ 905.
(4) المصدر السابق، 2/ 906 - 907.