الصفحة 22 من 29

تَفعَلْ، فَإِنَّ الموسِمَ يَجمعُ رعَاعَ النَّاسِ وغَوغَاءَهُم، فَإِنَّهم هُم الذينَ يغلبونَ على قُربِكَ حِينَ تَقومُ في النَّاسِ، وأَنَا أَخشَى أَنْ تَقومَ فتَقولَ مَقَالةً يُطَيِّرُهَا عنكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وأَنْ لا يَعُوهَا، وأَنْ لا يَضعُوهَا على مَواضِعِهَا) [1] .

والشاهد من كلام عبد الرحمن بن عوف > أنه خشي من انتشار الكلام الصحيح عن عمر بن الخطاب >، لكن بفهم خاطئ يفهمه الناس ويتناقلونه عنه، والفهم الخاطئ للكلام الصحيح الثابت كالكلام الخاطئ غير الثابت، كلاهما سواء، ومثاله كذلك الفهم الخاطئ للخبر الصحيح، فهو كالخبر الكاذب والشائعة، كلاهما سواء من حيث الخطأ، فإذا كان عبد الرحمن > قد تحرز من تناقل الفهم الخاطئ لكلام صحيح، فمن باب أولى التحرز من نقل الكلام والأخبار والشائعات دون تبيُّن صحتها وصحة الفهم لها، وهذا من فقه السلف، ويُبَيِّنُ منهجهم في ذلك، كما يُبَيِّنُ بعد الكثيرين ممن ينتسبون للعلم والسلف في زماننا عن منهج السلف، وذلك بتناقلهم للأخبار والأقوال دون تثبت منها، ودون تثبت من فهمهم لها.

وروى مسلم عن عبد الرحمن بن مهدي قال: (لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقتَدَى بِهِ حَتَّى يُمسِكَ عَنْ بَعضِ مَا سَمِعَ) [2] .

قال النووي ~: (إذا حَدَّثَ بكل ما سمع كَثُرَ الخطأ في روايته، فتُرِكَ الاعتمادُ عليه والأخذ عنه) [3] .

وذكر ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة أن إسحاق بن منصور الكَوْسَج كان فقيهًا عالمًا، وهو الذي دَوَّنَ عن الإمام أحمد المسائل في الفقه، وقال حسان بن محمد: سمعت مشايخنا يذكرون أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن تلك المسائل التي علَّقَها عنه، فجمع إسحاق بن منصور تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راجلًا إلى بغداد وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقرَّ له بها ثانيًا، وأُعجِبَ أحمد بذلك من شأنه [4] . وقد أورد هذه القصة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في كتابه (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) ، وبَوَّبَ لها بعنوان: (رحلة أبي يعقوب الكَوْسَج للإمام أحمد من نيسابور إلى بغداد راجلًا للتثبت من المسائل التي أخذها عنه وهو يحملها في جراب على ظهره) .

فصفات أهل العلم أنهم يتثبتون مما يرد إليهم من أخبار، ولو كلفهم ذلك الارتحال مشيًا من نيسابور إلى بغداد من غير دابة!، ولهذا أُعجِبَ الإمام أحمد من شأن هذا العالم، لأن هذه من صفات المحققين من العلماء دون أدعيائه، وقد تبين لهذا العالم عند التثبت أن ما وصله من خبر عن الإمام أحمد لم يكن صحيحًا، وهذا يُبيِّن مدى أهمية التثبت مما يرد للمرء من أخبار.

(1) صحيح البخاري (6830) .

(2) صحيح مسلم (5/ 5) .

(3) صحيح مسلم بشرح النووي، 1/ 133.

(4) طبقات الحنابلة، 1/ 306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت