[المسألة الأولى] :
هذه المسألة متصلة بالقدر والإيمان به وأَصْلُ بَحْثِهَا من المعتزلة.
وذلك أنهم قَعَّدُوا قاعدة وهي أنَّ الناس في فعل الله - عز وجل - سواء، وهو أنَّ العاصي والمؤمن، الكافر والمؤمن، العاصي والمطيع كلهم أُعْطُوا شيئًا واحدًا، فهذا فَعَلَ الخير، وهذا فَعَلَ الشر بمحض قدرته.
فهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أنْ يكون هناك أمرًا زائدًا خُصَّ به هذا ومُنِعَ ذاك.
فجعلوها جميعًا قبل الفعل، وأمَّا مع الفعل في أثناء الفعل فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.
وبالتالي فلو جُعِلَ هذا مُسْتَطِيعًَا للفعل وهذا غير مستطيع للفعل لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله - عز وجل -، وبالتالي يترتب على هذا أنَّ هذا ظُلِمْ وهذا أُعْطِيَ ما لم يُعْطَ غيره.
فإذًا أصل بحث المسألة هي عند المعتزلة.
ولماذا بحثوها؟
للقاعدة التي قَعَّدُوهَا هي أنَّ الجميع يجب أن يكونوا في فعل الله واحد، حتى لا يُظْلَمَ هذا ويُتْرَكْ ذاك.
إذا فهمت هذا الأساس تفهم لماذا افْتَرَقَ الناس في هذه المسألة.
فلمَّا قالوا الاستطاعة لا تكون إلا على هذا النحو؛ وهي أن تكون قَبْلْ، أما المُقَارِنَة فالعبد هو الذي يخلق فعل نفسه، هو الذي يقدر ويفعل، الله - عز وجل - لا يَجْعَلُ هذا مستطيعًا وذاك غير مستطيع؛ لأنَّ هذا ظلم.
وإذا كان كذلك فقابلهم من يُثْبِتُ الاستطاعة المُقَارِنَة وهم الجبرية ونفوا أصلًا أن يكونَ للإنسان قدرة على فعل أي شيء.
لهذا قالوا: ليس هناك استطاعة سابقة، وإنما الاستطاعة هي أنَّه يقدر على الفعل وهذه القُدْرَة في الواقع من الله - عز وجل -، لهذا الإنسان أصلًا لا يستطيع لأنَّ الله - عز وجل - نَفَى قال {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:101] ، وقال {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20] ، ونفى أيضًا عنهم الرمي فقال {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الأنفال:17] .
إذًا لا يمكن أن يفعلوا شيئًا، فقابلوا القدرية في مسألة الاستطاعة لا في مسألة القَدَرْ والجبر.
القَدَرْ والجبر أصلًا الجبرية سبقوا القدرية في مسألة الجبر المُعَيَّنْ، أما القَدَرْ اللي هو نفي العلم فهو الذي كان أولًا.
يعني الجهمية الذين هم الجبرية سابقين المعتزلة الذين هم القدرية، يعني كفرقة.
الجهمية هم الذين أظهروا الجبر ونَصَرُوهُ، من جهة وجود الجهمية قبل وجود المعتزلة الذين هم القدرية.
فإذًا نقول: إنَّ الجبرية قبل لأنَّ الذي مَثَّلَهُمْ الجهمية، وأولئك مَثَّلَهُمْ المعتزلة وهم متأخرون عنها.
أما من جهة القَدَرْ والجبر كقول القدرية سابقون لأنَّ نفاة العلم ظهروا في زمن الصحابة، وأما الجبرية فجاؤوا بعد ذلك؛ لكن تفاصيل أقوال الجبرية والقدرية ما نشأت إلا مع ترسُّخْ المذهبين في الجهمية وفي القدرية المعتزلة.