فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 757

[المسألة الرّابعة] :

هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي رحمه الله دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:

أمّا القرآن فمنه قول الله - عز وجل - {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] ووجه الدلالة منه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني» (1) .

وقال الله - عز وجل - أيضا في سورة النساء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] ، قال ابن القيم رحمه الله وقاله غيره أيضًا: لفظ {أَطِيعُوا} جاء في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ يعني الأمر بالفعل {أَطِيعُوا} ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل {أَطِيعُوا} ، فقال {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالًا؛ ولأنَّ طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تجب استقلالًا، وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعًَا لا استقلالًا.

لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ نارًا وأمر الناس أن يقتحموها، فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار، يعني بالإيمان والإسلام، فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها» (2) ؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله - عز وجل -، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومن الأدلة قول الله - عز وجل - {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26] الآية، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله - عز وجل - أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْرْ للأنبياء أَمْرْ لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد، فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.

ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم «من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» (3) .

وأيضًا ثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (4) .

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» (5) يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.

وأيضًا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة» (6) .

وأيضًا صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» .

وأيضًا في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه صلى الله عليه وسلم قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» ، ثم سئل صلى الله عليه وسلم فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة» (7) .

وأيضًا صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .

والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جدًا وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.

وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملًا وإما اعتقادًا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.

(1) البخاري (2957) / مسلم (4852)

(2) البخاري (4340) / مسلم (4871)

(3) مسلم (4859)

(4) مسلم (4869) / النسائي (4206)

(5) البخاري (7145) / مسلم (4871)

(6) مسلم (4911)

(7) مسلم (4910)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت