[المسألة الخامسة] :
أنّ عِلْمَ الله عز وجل شامل لكل شيء، هذا يفيد المؤمن في إيمانه بالقدر، وهو أنه سبحانه عَلِمْ الأشياء، وعَلِمَ حال العبد، وعَلِمَ ما ستكون عليه هذه الأمور جميعًا من دقائقها وتفاصيلها وإجمالها.
وهذا يعني أنه ليس ثمَّ شيء يقع على وجه الصدفة بلا ترتيب سابق ولا تقدير سابق.
فإذا كان الله عَلِمْ فإنَّ معنى ذلك أنه سبحانه جعل هذا الذي عَلِمَ أنَّهُ سيقع على وفق ما يشاؤه، على وفق الحكمة البالغة؛ لأنَّ الرب المتصرف ذا الملكوت لا يقع في ملكه إلا ما يشاء أن يقع، فإذا كان عَلِمْ وأيقن العبدُ هذا العلم الشامل الكامل فإنه يوقن بعده بالحكمة العظيمة.
ولهذا مسألة الحكمة من وجود الأشياء مرتبطة بالقدر عِلْمًا ونفيًا:
-فحكمتة ـ مرتبطة بالقدر علمًا؛ لأنَّ الله ـ عليم؛ ولأنه سبحانه ما شاء كان.
-ومرتبطة بالقدر نفيًا في أنَّ الخوض في الحكمة خوضٌ في القدر.
ولهذا قال الطحاوي في آخر كلامه (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ)
وقال في آخرها أيضا (فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ) إلى أن قال (1)
: [[الشريط السابع عشر] ]:
(فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ) ، وهذه هي التي يُشكِلُ على البعض كيف دَخَلَتْ في القدر، وهي مسألة الحكمة.
إذا قال المرء لم حصل كذا؟ ولم قُدِّرَ كذا؟ أو لم صار الأمر على هذا النحو؟ لم صار هذا غنيًا وهذا فقيرًا؟ ولم صار هذا مريضًا وصار ذاك صحيحًا؟
كيف انتقل هذا السؤال في القَدَرْ وصار المتشكك من القدرية؟
لأنَّ المتشكك ينفي الحكمة، ولو أيقن بعموم العلم وعموم المشيئة لأيقن بحكمة الله - عز وجل - الماضية، وأنَّهُ لا شيء يقع إلا والله سبحانه وتعالى عَلِمَهُ قبل أن يقع وأَرَادَهُ كَونًَا وشَاءَهُ، وهذا يعني أنه لن يقع إلا على وفق حكمة الله - جل جلاله -، فلهذا صار السائل في مسائل القدر بـ: لم؟ مُعَارضًِا للقدر.
ولهذا قال لك ابن تيمية في البيت الذي ذكرته لك آنفا (أو ماروا في الشريعة) يعني أنَّ القدرية منهم من يُمَارِي في الشريعة، يماري يعني يشكك ويجادل ويسأل وكذلك قال بعدها:
وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ
فإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ
فأهل الجاهلية عارَضُوا الشريعة بـ: لم؟ والمتشككون عارَضُوا أفعال الله - عز وجل - بـ: لم؟
إذًا فمِن أعظم مراتب الإيمان بالقدر، الإيمانُ بعلم الله - عز وجل - الشامل للأشياء، الشامل لكل شيء.
فإذا أيقن العبد بهذا، بعموم العلم، وعَلِمَ معنى ذلك، أيقن أيضًا بحكمة الله - عز وجل - واستسلم لقدر الله ولم يخض فيه بالسؤال؛ لأنَّ القدر سر وهو مرتبط بعلم الله - عز وجل -.
يوضّح لك ذلك أنَّ الله جل جلاله قصَّ علينا في القرآن قصة الخَضِرْ مع موسى عليه السلام أو عليهما السلام.
فالخَضِرْ مع موسى اختلفا واعترض موسى على الخَضِرْ، وسبب الاعتراض عدم العلم، لمَّا كان موسى في تلك المسائل أنْقَصَ علمًا من الخَضِرْ واعْتَرَضَ حُجِبَ عن علمٍ زائد.
ولذلك صار السؤال -سؤال الاعتراض- مُرْتَبِطًَا بالعلم، فإذا كان الخَضِرْ أعلم من موسى، وموسى حُجِبَ بالسؤال فدلَّ على أنَّ السؤال في أفعال الله أو السؤال في قدر الله أو السؤال في تصرفات خلق الله - عز وجل - أنَّ هذا اعتراض على العلم.
وإذا كان الله - عز وجل - هو العليم بكل شيء فإنَّهُ لا يجوز للعبد أن يعترض على علمه وعلى حكمته بـ: لم؟
لهذا قال في آخر الكلام هنا (فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني قوله {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء:23] .
هذه بعض المسائل في كلامه على مرتبة العلم.
(1) انتهى الشريط السادس عشر.