فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 20845 من 67893

قوله: «ويدعو بما وَرَدَ» ، «ما» اسم موصول يشمَلُ كُلَّ الوارد، ولكن ليس مراده أن كلَّ دُعاء وَرَدَ في السُّنَّة يُدعَى به هنا، وإنما مراده بما وَرَدَ الدُّعاء به في هذا المكان، ومنه ما سبق: «اللَّهُمَّ أعنِّي على ذِكْرِك، وشكرك، وحُسن عبادتك» ، ومنه ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر حين قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنت، فاُغفِرْ لي مغفرةً من عندك، واُرحمنِي؛ إنك أنت الغفور الرحيم» . ولكن لو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز.

وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا بُدَّ أن يكون الدُّعاء واردًا، ولكن هل مراده أن يكون واردًا باعتبار الجنس، أو باعتبار النوع والعين؟

الجواب: فيه احتمال، يحتمل أن يريد بما وَرَدَ بعينه، ويحتمل أن يريد بما وَرَدَ بجنسه، والذي وَرَدَ الدُّعاء بجنسه في الصَّلاة هو ما يتعلَّق بأمر الآخرة، وإذا قلنا بهذا الاحتمال؛ صار معنى كلام المؤلِّف: أن يدعو بدعاء يتعلَّق بأمور الآخرة، سواء وَرَدَ هذا الدُّعاء بعينه أم لم يرد، وإنْ قلنا بالاحتمال الأول بما وَرَدَ بعينه صار يتقيَّد بما وَرَدَ بعينه في هذا الموضع.

لكن الاحتمال الأول أشمل، وهو أن يدعو بما وَرَدَ باعتبار الجنس، وهو ما يتعلَّق بأمور الآخرة، فيدعو بما يتعلَّق بأمور الآخرة بما شاء، ولكن ههنا مسألة؛ وهي أنه ينبغي المحافظة على الوارد في هذا المكان بعينه، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء.

وظاهر كلام المؤلِّف: أنه لا يدعو بغير ما وَرَدَ، سواء قلنا: إن المراد ما وَرَدَ بجنسه أو قلنا: ما وَرَدَ بعينه، فلا يدعو بشيء مِن أمور الدُّنيا مثل أن يقول: اللَّهُمَّ اُرزقني بيتًا واسعًا، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني زوجة جميلة، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني مالًا كثيرًا، أو: اللَّهُمَّ اُرزقني سيارة مريحة، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلَّق بأمور الدُّنيا، حتى قال بعض الفقهاء رحمهم الله: لو دعا بشيء مما يتعلَّق بأمور الدنيا بطلت صلاتُه، لكن هذا قول ضعيف بلا شَكٍّ.

والصحيح: أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلَّق بأمور الدُّنيا؛ وذلك لأن الدُّعاء نفسه عبادة؛ ولو كان بأمور الدنيا، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أقربُ ما يكون العبدُ مِن ربِّه وهو ساجد» ويقول: «أمَّا السُّجودُ فأكثروا فيه مِن الدُّعاء فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» ويقول في حديث ابن مسعود لما ذَكَرَ التَّشهُّدَ: «ثم ليتخيَّر مِن الدُّعاء ما شاء» والإنسان لا يجد نفسه مقبلًا تمام الإقبال على الله إلا وهو يُصلِّي، فكيف نقول: لا تسأل الله - وأنت تُصلِّي - شيئًا تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا.

وقد جاء في الحديث عن الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ليسألْ أحدُكم ربَّه حاجته كلها حتى شِسْعَ نَعْلِه» وشِسْع النَّعل: يتعلَّق بأمور الدُّنيا. فالصَّواب بلا شَكٍّ أن يدعو بعد التشهُّدِ بما شاء مِن خير الدُّنيا والآخرة، وأجمع ما يُدعى به في ذلك: «ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقِنَا عذابَ النَّار» فإن هذه جامعة لخير الدنيا والآخرة.

مسألة: هل يجوز الدُّعاء لمعين، بأن يقول: اللهم اُجْزِ فلانًا عنِّي خيرًا، أو اللَّهُمَّ اُغفِرْ لفلان؟

الجواب: يجوز، لأن هذا دعاء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه في نفس الصَّلاة دعا على قوم معينين، ودعا لقوم معينين، فدعا للمستضعفين في مكَّة، ودعا على الطُّغاة في مكَّة، لكنه نُهِيَ عن الدُّعاء على الطُّغاة باللَّعن.

لكن؛ لو دعا لشخص بصيغة الخطاب فقال مثلًا: غَفَرَ الله لك يا شيخ الإسلام ابن تيمية. فالفقهاء يقولون: تبطل؛ لأنه أتى بكاف الخطاب، والخطابُ لا يجوز في الصَّلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يصلُحُ فيها شيءٌ من كلام النَّاسِ» ولم يستثنوا إلا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إنك تخاطبه: «السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ» ، أما غيره فلا تأتِ له بكاف الخطاب مطلقًا، ولكن هذا القول في النَّفْسِ منه شيء، وذلك لأنك إذا قلت: غَفَرَ الله لك يا فلان؛ وأنت تُصلِّي، فإنك لا تشعر بأنك تخاطبه أبدًا، ولكن تشعرُ بأنك مستحضرٌ له غاية الاستحضار حتى كأنه أمامك، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين تفلَّت عليه الشيطان: «ألعنك بلعنة الله التَّامَّة» فخاطبه، فبعضهم قال: إن هذا الحديث قبل تحريم الكلام، وبعضهم يؤوِّله، ولكن في كلا الجوابين نَظَرٌ.

فالذي يظهر: أن خطاب الآدميين المنهيِّ عنه: أن تخاطبه المخاطبة المعتادة، فتقول مثلًا: يا فلان تعال، فهذا كلام آدميين تبطل به الصَّلاة، لكن شخصًا يستحضر شخصًا ثم يقول: غَفَرَ الله لك يا فلان، فكون هذا مبطلًا للصَّلاةِ فيه نَظَر، ولكن درءًا للشُّبهة بدل أن تقول: غَفَرَ الله لك، فقل: اللَّهُمَّ اُغفِر له، فهذا جائز بالاتفاق.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت