وقد أتم الشيخ حفظ القرآن في العاشرة من عمره في الكتَّاب على الطريقة المعهودة، وكان شيخه يأمره إذا انصرف عنه وعاد إلى منزله بمراجعة القرآن، وأن يبقى بجوار النافذة رافعًا صوته حتى إذا مرَّ شيخه بجوار بيته سمعه وهو يراجع، وذلك من شدة حرصه عليه، ولذلك ارتبط الشيخ بالقرآن قلبًا وقالبًا، وعاش معه حياته كلها.
تقدم الشيخ لاختبار الابتدائية الأزهرية وهو في الثانية عشرة من عمره واجتاز الاختبار بتفوق ملحوظ، حيث أمضى أربع سنوات في الابتدائية الأزهرية، وخمس سنوات في الثانوية الأزهرية، وتعرف على رموز الحركة الإسلامية في هذه السن المبكرة من عمره، فارتبط بها وانتمى إليها، وكان أحد شباب الجوالة الذي كان يشرف عليه الفقيد الراحل الدكتور عبد العزيز كامل ذي الثقافة الواسعة الموسوعية، ومن هنا جاءت العلاقة بينهما وتأكدت المودة، ونشأ كنشأته بموسوعية عالية يطلب العلم مع الحرص عليه، والتواضع، وهضم النفس، وعدم الجرأة والتعظيم لنصوص الشريعة، وامتدت العلاقة بينهما واستمرت، وشاء الله عز وجل أن يجتمعا في محنة سنة 1954م في زنزانة واحدة.
دخل الشيخ كلية أصول الدين وتتلمذ على كبار علماء عصره، وتأثر جدًّا بالعلامة الموسوعي محمد عبد الله دراز الذي كان يدرسه التفسير وعلوم القرآن، وأُعجب بشخصيته، وصار من حواريه، فازداد تعلقه بكتاب الله تعالى بعد أن تلقى منهجية التعامل مع الكتاب من شيخه دراز، ومن رحمات الله تعالى به أنه حينما اعترض الإمام العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر على تغيير القوانين الشرعية في مصر، وإلغاء المحاكم الشرعية وقدم استقالته من المحاكم، اهتبل الأزهر الفرصة ففسح للشيخ المجال لتدريس مادة الحديث الشريف؛ فتتلمذ الشيخ حسن عليه، وكتب من فمه تعليقات نادرة غاية في التحقيق العلمي على نسخته من الباعث الحثيث التي كان يحتفظ بها، وربما يضمها إلى صدره في لحظات التذكر لشيخه حيث تأثر به في الاستقلالية العلمية والمنهجية الخالصة للكتاب والسنة.
عاش الشيخ المحنة ورافقه فيها خليلاه الشيخ محمد بن عبد الرحمن الراوي، والشيخ عبد التواب هيكل، وبعد خروجه ومنع الثلاثة من الخطابة؛ ذهب الشيخ أحمد حسن الباقوري إلى الرئيس عبد الناصر وتشفَّع لهم بإخراجهم من مصر في بعثات أزهرية فذهب الشيخ إلى نيجيريا، وفتح له الناس قلوبهم لما رأوا فيه من دماثة الخلق, وعظيم الأدب، وحسن التواضع للعلم وأهله؛ فظنت الفرقة القاديانية الضالة المضلة أنها تستطيع الوصول إليه؛ فأهدت إليه مجموعةً كبيرةً من كتبها ومصادرها؛ فوقف الشيخ داعيًا إلى الله تعالى مبينًا افتراءات هذه النحلة الباطلة، وكتب في ذلك كتابه القاديانية الذي حصل به على درجة الماجستير من الأزهر الشريف، ولم يتنازل عن مبادئه، فأثمرت دعوته خيرًا.
وتعرف الشيخ على أعلام الدعوة بإفريقيا فأثمر ذلك رسالته للدكتوراة عن دولة الفولاني التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور عوض الله حجازي وناقشها الشيخان عبد العزيز عبيد، والشيخ محمد الغزالي.
عاش الشيخ في مصر مضيّقًا عليه من قبل أجهزة الدولة رغم توليه مناصب بها، ومنها العمل في الإشراف على قطاع من قطاعات الدعوة اكتشف خلاله الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى، ومكنه من الذهاب إلى القرى والنجوع والتواصل مع العامة والخاصة؛ فتعرف على الشيخ حافظ سلامة وتمكنت بينهما المودة وصفاء الصلة مما جعل الشيخ يصطفيه لنفسه، ويثق به؛ ليجعله من المقربين إليه، والمصاحبين له في جولاته الدعوية على خطوط المواجهة في قناة السويس بين وحدات الجيش المصري؛ فذاق الشيخ حلاوة العمل الدعوي مجاهدًا في سبيل ربه عز وجل، ومما يُذكر أنه في اليوم الذي استشهد فيه الشهيد أحمد حمدي كان بجوار الشيخ قبلها بقليل، واتصل على أهله سائلًا زوجته عن صلاة أولاده؛ فتذكره الشيخ حينما قضى نحبه، وردد الكلمة: مصر قلب الأمة.
وفد الشيخ إلى قطر عام 1978م بناءً على رغبة صديقه الوفي الشيخ يوسف القرضاوي؛ فدرس في كلية الشريعة واحتضن أبناءه فيها؛ فعرفوا فيه الأبوة الحانية، ومارس الدعوة والخطابة في مجالات متعددة بداية من مسجد إسحاق ثم إلى مسجد الدفنة، وعرفه الإعلام فارسًا يقدِّر عظم الشريعة فكانت له الحلقات المرئية والمسموعة التي تُورث من تابعها السكينة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)