فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 81524 من 82138

قال الأمير شكيب أرسلان:"فالعالم الإسلامي الذي لا يزال محور سياستهم قهره وإعناته، وتجريده من السلاح بكل وسيلة، والحيلولة بينه وبين الاتحاد والتماسك بكل حيلة، احتياطًا من وراء رسَفَانه في قيوده الحاضرة، وأمانًا على ديمومة خنوعه لسلطتهم القاهرة، لا يصح أن يقال أنه بلغ من النهضة الدرجة التي تكفل له حطم سلاسله الثقيلة، واسترداد ممالكه العريضة الطويلة، واستئناف معاليه الخالية، ومصيره مع العالم الأوربي إلى حالة متساوية، ولا أدرك بهذه السنين القلائل من اليقظة ما يكفي لتجديد ما أخلق من حاله، واستشن من شأنه، بل لا يزال ويا للأسف الجهل مخيمًا على أكثر آفاقه، وما برحت العصبيات الجاهلية عاملة علمها في تفكيك عراه وبعثرة أجزائه، كما أن الرعب من سطوة الأجانب إلا من رحم ربك ملء الجوانح، واليأس من استطاعة القيام فاشٍ في الأفكار والخواطر، وكأنه إلى هذه الحالة بعينها نظر النبي ـ صلى الله عليه وسلم حينما قال:"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كل جانب تداعي الأكلة إلى القصاع، قالوا: أو من قلة منا يؤمئذ يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيل يُجعَل الوهن في قلوبكم ويُنزع من قلوب أعدائكم، من حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت"أو كما قال، نعم صار المسلمون، إلا الأقل منهم إلى زمان لا تغني عنهم كثرتهم شيئًا بل صارت الفئة القليلة من غيرهم تتحكم في الفئة الكثيرة منهم، وتخبطهم بكل عصا، وهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وراح الأجنبي يفتح بلدانهم بهم ويسلط بعضهم على بعض، ويقتل هذا بذاك مستفيدًا من قتل الاثنين: الذي يقاتله والذي يقاتل معه، وإذا سألت أحدهم لماذا إعطاء هذه المقادة كلها واقتحام الموت في سبيل الأجنبي الذي تغلب عليه، أجابك أنه إنما يساق إلى الموت رغمًا، والحال أن الموت الذي يخشاه في عصيان الأجنبي، هو ملاقيه في طاعته، فهو من خوف الموت في الموت، ومن حذر العذاب في أشد العذاب، فلابد لاستقلال الإسلام من زوال هذه الأوهام، ومن انتشار المعارف التي لا تجتمع مع الذل في مكان، ولا تبرح دون تلك الغاية مصاعب وقُحَم، ومصائب وغُمَم، وليال مظلمة طوال، ومعارك تشيب لها ذوائب الأطفال، وإنما الذي يخطيء فيه سكارى العز ونشاوى الساعة الحاضرة من الأوربيين، اعتقادهم أنها حالة ستبقى على الدهر، وإن ثلثماية وأربعين مليونًا من المسلمين سيلبثون إلى الأبد رهن إسارهم وفريسة استعمارهم، ووقود نارهم، واعتبارهم الشرقيين عَمَلةً يسمن الغربيون بهزالهم، ويسعدون بشقائهم، ويقوون بضعفهم، ويحيون بحتفهم، حقًا لقد تجاوزوا الحد ضلالًا وغرورًا، واستكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًا كبيرًا، وظنوا أنهم كتبت لهم السيادة خالصة من دون الناس وأمنوا جفوات الأيام، وأخذوا الطريق على الفلك الدوَّار فلا يدور لهم إلا بحسب المرام، كلا هذا منهم خيالٌ زالئل، ووهمٌ أرقّ من شَبَح باطل، فلن يبقى الشرقيون أبد الدهر مدَنَقةُ هينة عليهم نفوسهم ولن يصبروا أكثر مما صبروا على أن يلي أمورهم من ليس منهم، ولابد أن يأتي الزمن الذي يصبح كلٌ فيه سيدًا في دياره، مانعًا لذماؤه؛ مساويًا في الأرض لمن ظن سلطانه سرمدًا، ودوره مؤبدًا، وعمل اليوم عمل من لا ينظر ما يكون غدًا، لا سيما المسلم الذي يقرأ كل يوم في قرآنه ما يجعله بكل جارحة من جوارحه رجلًا ولا يرضى له بالاستقلال بدلًا، وينفخ فيه من روح الأنفة ما يصور الذل كفرًا، ويلقى في روعه من حب العلم ما يصير الجهل وزرًا، ويحتم عليه من الأخذ بالأسباب القوة ما يخيل الضعف شركًا، كلا لن يلبث الشرق لدى دول الاستعمار هو الشحمة الرُقّى، والأمم التي لا تملك لأنفسها حقا، ولا تنفض عن أعناقها رقًا، ولا يمكن أن يظل الأوربي سيد الأرض غير مدافع، وصاحب الحكم غير مزاحم متسلطًا على ما في الدنيا من الجهات النفسية، مستأثرًا بما بين المشرق والمغرب من الجنبات الرئيسة، فلم يبرح الدهر قلَّبًا، والدوام محالًا، والتاريخ يركب الأمم طبقًا عن طبق، ويلحق من تأخر بمن سبق، وما من بهشة، إلا وراءها جهشة، وقد كذب من طمع في صفو بلا كدر، وصعود بلا حَذَر، ومن أعظم الخطا الظن بأن الشرق لا يلمُّ على شعث، و إن آسية وإفريقية لن تنهضا من عثار وهما ثلثا العالم، ولقد سار الشرق في مدة وجيزة عقَبَاتٍ جِيادًا، واجتاز أزماتٍ شدادًا، وهو ماض في سيره إلى الأمام لا سبيل بعد اليوم إلى تعويقه، ولا حاجز يمكن أن يقف في طريقه بدسائس تلقى، ومبالغ سريّة تنفَق، وأخلاق تُقسَد؛ وذمم تشرى وأشراك تبثّ، وأسياف تُسلّ، ولا المحلقات في الجو تقدر على كم الأفواه، ولا الغازات السامة تقوى على إطفاء نور الله، وما تزيد هذه الوسائل تلك الأمم المستضعفة إلا شوقًا إلى الحرية، ونداء إلى الثارات وإصرارًا على الضغائن، ومهما يكن من حيل العباد فللكون سَنَن هو سائره ولله أمر هو بالغه."

[1] - مقدمة حاضر العالم الإسلامي، لوثورب ستودارد الأمريكي، تعليق الأمير شكيب أرسلان، ترجمة الأستاذ عجاج نويهض، ص (ز، ح، ط) ، دار الفكر ـ بيروت ـ.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت