وبعضها إذا كررت الطلب ولم أبادر إلى إرضائها بمقالة أو مقالتين لم تجمجم استيائها. ولا أعلم لماذا يؤدي كرم الأخلاق بالإنسان إلى العبودية؟ فأنا على ثقة أني لو لم أكتب في بعض جرائد وبعض مجلات، وكنت قابعًا في زواية أقرأ لنفسي، ما كانوا يطمعون هذا الطمع بي، لكنهم ما داموا يقرأون هنا مقالة و هنا مقالة من آثار سخافتي، تشتد رغبة المطالبة والإلحاف في سؤالي مقالات.
ومن الغريب أن هؤلاء السائلين يعرفون ما الكتابة؟ ولا يخفى عنهم أن المقالات لا يوحى بها وحيا، ولا يقال لها: كوني فتكون، وأن مقالة واحدة قد تأخذ نهارًا تامًا من الشروق إلى أن تتوارى الشمس في الحجاب، ومنها ما يأخذ يومين و ثلاثة،وأن القصار منها ذات العمودين والثلاثة لا تحرر في أقل من ساعة، وأن على هذا المسكين الذي يتقاضونه كل هذه المشاق أشغالًا أخرى لنفسه ولعائلته ولوطنه، وأن عنده كتبًا لابد أن يطالعها .. إلخ.
هذا لا يهمهم أصلًا، بل يعرفون جملة واحدة من جميع بضائع الطلب: تكرموا علينا بمقالات من قلمكم السيال. وفي أوربا يطالبون الكتاب بمثل ذلك، لكن لا يضيعون على الكاتب دقيقة واحدة سدى، فالوقت نقد، وكل وقت عندهم له ثمن؛ وأنا مضى علي الآن 44 سنة وأنا أحرك قلمي، وأكتب إلى الجرائد مجانًا، لا أبتغي جزاء ولا شكورا، وأدفع أجرة البريد من كيسي، فلو حبست ثمن وقتي، بل أجر البُرد من 40 سنة إلى اليوم لكان مبلغًا لا يستخف به، فأنا أسامح بكل ما تعبت، وبكل ما أنفقت من ذهني
وعيوني ومالي، وإنما استمطر شفقتهم أن ينظروا إلى رجل وطيء ساحة الستين، وصار محتاجًا إلى الراحة"."
ثم يقول شكيب:"وتشيرون بأن نجمع ما كتبناه، أو شيئًا مما كتبناه، وهو أمر يحك في صدري دائمًا، فهل عندنا الوقت اللازم لذلك؟ إني لا أريد أن أجمع ما كتبته، فإنه يملأ أجلادًا وأجلادًا، ومن يقرأ ذلك كله؟، ومن يؤدي كلف طبع هذا كله؟"
ولكني أفكر في انتقاء الأحسن وجمعه وإعادة النظر فيه وتصحيح شيء وحذف شيء، وإضافة شيء إن وجد ضروريا، وهذا كله يستلزم وقتًا.
فأما طبع ما خطته بناني فغير مستطاع، لأنه مفقود منه الشيء الكثير، والمحفوظ منه أزيد مما يلزم، فإني في أوربا منذ اثنتي عشرة سنة، وفي الشهر الواحد من هذه المدة كنت أحرر لا أقل من 10 مقالات، ففي السنة 120 مقالة، ففي الاثنتي عشرة سنة 1440 مقالة، فإذا جعلت كل مقالة 3 صفحات من قطع هذا المكتوب، فهذه أربعة آلاف صفحة، أي ثمانية مجلدات كبار، وهذا من 13 سنة.
وقبل ذلك عشت أكثر من ثلاثين سنة وأنا أكتب، فلا يقل المحصول الذي في هذه الثلاثين سنة عن محصول الاثنتي عشرة سنة الأخيرة، فهذه عشرة آلالاف صفحة بالأقل.
كلا، هذا لن أقدر على طبعه، وهذا كله ذهب في الجرائد الطائرة، وهذا كله أنفقت فيه جوهر حياتي، وكفلته بأجر البوسطة من كيسي، وأجره على الله، وغاية مكافأتي عليه أنهم بعد موتي سيقولون في ترجمة حياتي: كان ـ رحمه الله ـ يكتب كثيرًا جدًا، سبعًا أو ثمانيًا من الساعات كل يوم، ولم يكن يساويه في ذلك إلا المرحوم كرد علي، فذلك أيضًا كان من الأفذاذ في هذا الباب.
لا تحزن لقول: المرحوم كرد علي، عسى لا يكون ذلك قبل مائة سنة، ولكني ينبغي أن تعلم أنك لا تعطى حقك إلا بعد فراق هذه الدنيا، ومادام المرء حيًا فقلوب معاصريه قاسية عليه، وأنا أفضل أن تقسو عليك القلوب وأنت حي، من أن ترثي لك وتكثر من إنصافك، وقد مضيت بعد زمان طويل"."
أرجو قارئي أن يتذكر أن شكيب كتب هذا الكلام سنة 1930، وأنه مات في نهاية سنة 1946، وأنه ظل يكتب مقالاته وينشرها إلى ما قبل موته بشهر واحد"."
ثم أرجو قارئي أن يعود إلى رسالة شكيب الماضية فيطالعها من جديد على مهل وفي تدبر، ليرى مبلغ قدم هذا الرجل، وعمق ما أحس به نحو من قدم إليهم ما قدم، وليدرك أساه البليغ، وهو يصور حالته في دنياه، ومبلغ إنصاف قومه له!!.
(انظر؛ سلسلة أعلام العرب، شكيب أرسلان داعية العروبة والإسلام،أحمد الشرباصي، ص 305ـ309،ط. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة - القاهرة(1383 هـ = 1963م) .
ـ [أبو الطيب أحمد بن طراد] ــــــــ [18 - 05 - 10, 09:39 م] ـ
[تكالب الأمم على أمة الإسلام والعالم الإسلامي] ( [1] )
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)