ثمَّ يتحدث عن كتاب أحمد بن محمد الهَرَوي في الجمع بين غريب القرآن والحديث، وقد رَتَّبه على حروف المعجم، وأفاد من محاولات سابقيه، فجاء مصنّفه"جامعًا في الحسن بين الإحاطة والوضع". إلى أن جاء الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمر وصنَّف كتاب"الفائق"، وهذا الكتاب مع كونه جامعًا مستفيدًا ممّا تَقَدَّمه، بيد أنه كان يشرح ما في الحديث الواحد من غريب في حرف واحد من حروف المعجم، فَتَرِدُ الكلمةُ في غير حرفها، وإذا تَطَلَّبها الإنسانُ تعب حتى يجدها، ومن هنا فإنَّ كتاب الهروي أسهل مأخذًا.
ثم يتحدث ابن الأثير عن كتاب أبي موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني الذي أفاد من كتاب الهروي في مادته ومنهجه، واستدرك ما فاته. وتَحَدَّث عن كتاب أبي الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي، الذي اقتفى أثر الهروي"ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذَّة واللفظة الفاذَّة".
ويأتي بعد ذلك حديث ابن الأثير عن كتاب"النهاية"فيقرُّ بأنّه ترسَّم خُطا الكتابين المتقدمين: كتاب"الغريبين"للهروي، و"المجموع المغيث"لأبي موسى المديني، ويقول:"فرأيت أن أجمع َ ما فيهما من غريب الحديث، مجردًا من غريب القرآن، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلًا لكلفة الطلب، وأنعمت الفكر في اعتبار الكتابين، والجمع بين ألفاظهما". ويلحظ ابن الأثير أنَّ الكتابين قد"فاتهما الكثير الوافر"، ويقول:"فحيث عَرَفْتُ ذلك تَنَبَّهت لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدوَّنة المصنَّفة في أول الزمان وأوسطه وآخره، فتتبَّعْتُها واستَقْريْتُ ما حضرني منها، وأضفت ما عثرت عليه من الغرائب، إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها ".
ثم يتحدث عن الترتيب المعجمي الذي سلكه، فقد التزم الحرف الأول والثاني من كل كلمة، وأتبع ذلك بالحرف الثالث من الكلمة على سياق الحروف.
ثم يتحدث عن المشكلة التي واجهَتْه، وهي"أني وجدت في الحديث كلماتٍ كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بُنِيت الكلمة عليها، حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها"، ورأى أنَّ حَلَّ هذه المشكلة يكمن في"أن أثبتَها في باب الحرف الذي هو في أولها، وإن لم يكن أصليًا، ونَبَّهْتُ عند ذِكْرِهِ على زيادتِه؛ لئلا يراها أحد في غير بابها، فيظنُّ أنّي وَضَعْتُها فيه للجهل بها".
وسوف نتطرق للحديث عن هذا المنهج في مبحث"مآخذ على ابن الأثير".
وينبِّه ابن الأثير القارئ على أنَّ ما اقتبسه من كتاب الهروي ميّزَه بالحرف"ه"بالحمرة، وما اقتبسه من كتاب أبي موسى ميّزه بالحرف"س"، وما أضافه من غيرهما أهمله بغير علامة؛ ليتميز ما فيهما عمّا ليس فيهما، كما أفاد القارئ بأنَّ جميع ما في كتابه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: مضاف إلى مُسَمَّى، وقد يكون ذلك المسمَّى هو صاحب الحديث، أو يكون راويًا للحديث، أو يكون سببًا في ذكر ذلك الحديث فأُضيف إليه، أو يكون له فيه ذِكْرٌ عُرِفَ الحديث به.
والثاني: غير مضاف إلى مُسَمَّى، والغالب عليه أنه من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا القليل الذي لا تُعْرَف حقيقته: هل هو من حديثه أو من حديث غيره ؟ وسوف نتناول صنيعه هذا في موضع آخر من هذه الدراسة، إن شاء الله. وبعد هذه المقدمة يشرع ابن الأثير في مواد معجمه.
ب - منهج ابن الأثير في النهاية
اجتمع لابن الأثير قَدْرٌ غزيرٌ من نصوص الحديث والأثر، تحتاج إلى بيان ما فيها من غريب، كما تحتاج إلى منحى تنظيمي دقيق يجعل التعامل معها ميسورًا في مرحلة جَمْعِها، ثم تحريرها وضبط الإحالة عليها، وفيما يعقب ذلك من مرحلة الإفادة منها، والعودة إلى مادة منشودة منها. ويتضح لنا منهجه في"النهاية"من خلال المعالم التالية: