ثم يقسم معرفة هذا الخاص إلى معرفة ذاته وصفاته . أما ذاته فهي معرفة وزن الكلمة وضبطها، وتأليف حروفها؛ لئلا يتبدلَ حرفٌ بحرف أو بناءٌ ببناء، وهذه المعرفة استقلَّ بها علماء اللغة. وأماصفاته فهي معرفةُ حركاته وإعرابه ونحو ذلك؛ لئلا تختلَّ المعاني التي يكون فَهْمُ الحديث مبنيًا عليها، وهذه المعرفة استقلَّ بها علماء النحو والتصريف.
ثمّ يبيّن المؤلف في مقدمته أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أفصح العرب لسانًا وأعرفهم بمواقع الخطاب، وكان في موقع العناية الربانيَّة، وكان يخاطب العرب على اختلاف قبائلهم وبطونهم، كلًا منهم بما يفهمون، فكأنَّ الله -عزَّ وجلَّ- قد أعلمه ما لم يكن يَعْلَمُه غيرُه، وكان أصحابه يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم.
واستمر عصره -صلى الله عليه وسلم- إلى حين وفاته على هذا السنن، ثم جاء العصر الثاني -وهو عصر الصحابة- جاريًا على هذا النمط، فكان اللسان العربي عندهم صحيحًا، لا يتطرَّق إليه الزَّلَلُ، إلى أن فُتِحت الأمصار، وخالط العربُ غيرَ جنسهم من الأمم، فامتزجت الألسن، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلَّموا من اللسان العربي مالا بُدَّ لهم في الخطاب منه، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة إليه، فصار بعد كونه من أهمِّ المعارف مهجورًا، وتمادَت الأيام على سَنَنٍ من الصلاح إلى أن انقرض عصر الصحابة -رضوان الله عليهم.
وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم، ولكنهم قَلُّوا في الإتقان، فما انقضى زمانُهم إلا واللسان العربي قد كاد يستحيل أعجميًا، فلا ترى المحافِظَ عليه إلا الآحاد، فلما أعضل الداءُ وعزَّ الدواءُ أَلْهم اللهُ عزَّ وجلَّ جماعةً من ذوي البصائر؛ أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفًا من عنايتهم؛ حراسةً لهذا العلم الشريف من الضياع.
ثم يتحدَّث المؤلف عمن يراه أوَّلَ من جمع في هذا الفن من غريب الحديث والأثر، وكان يرى أنه أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى، إذ جمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتابًا صغيرًا ذا أوراق معدودات. ويبيّن ابن الأثير أنَّ قلة صفحات الكتاب لم تكن لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما سبب ذلك أنَّ كلَّ مبتدئ لشيء يكون قليلًا، ثم يكثر، ثم إنَّ الناس يومئذٍ كان فيهم بقيةٌ من معرفة.
ويتابع ابن الأثير الحديث عن أوائل حركة التصنيف، فيشير إلى أنَّ النَّضْر ابن شُميل وضع كتاباَ بعد ذلك أكبر من كتاب أبي عبيدة، ثم يأتي كتاب الأصمعي عبدالملك بن قريب، ويصف كتابه بأنه"أحسن فيه الصنع وأجاد". ثم يأتي كتاب قطرب.
ويلحظ ابن الأثير أنَّ حركة التأليف في هذا العلم ما تزال تحبو:"ولم يكن أحدهم ينفرد عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر". واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام الذي وضع كتابًا مهمًا في هذا العلم"لِما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة والمعاني اللطيفة والفوائد الجمَّة".
ثم يتحدث المؤلف عن كتاب"غريب الحديث"لأبي محمد عبدالله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري فيقول:"ولم يُودِعْه شيئًا من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا مادَعَتْ إليه حاجة من زيادةِ شرحٍ وبيان أو استدراك أو اعتراض".
ثم يشير إلى كتاب إبراهيم بن إسحاق الذي"بسط القول وشرح، واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها وأطاله بذكر متونها وألفاظها".
وكثرت المصنفات بعد ذلك، فأدلى أهل اللغة بدَلْوهم، من أمثال شَمِر ابن حَمْدَوَيْه، وثعلب، والمبرد، والأنباري، والزاهد، وغيرهم. إلى أن جاء الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد الخطَّابي البُسْتي الذي سلك منهج أبي عبيد وابن قتيبة، وأضاف إلى أقوالهما المزيد.
ويرى ابن الأثير أنَّ هذه الكتب الثلاثة هي المعوَّل عليها. بيد أنَّه ينتقد منهج التأليف في هذا العلم، ويوضِّح حاجته إلى تيسير تناوله بالترتيب المعجمي:"إلا أنها وغيرها لم يكن فيها كتاب صُنِّف مرتبًا ومُقفَّى، يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلا كتابُ الحربيِّ، وهو على طوله وعُسْر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد عَناء، مع ما فيه من كون الحديث المطلوب لا يُعرف في أيّ واحد من هذه الكتب هو".