فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 3717

تفسير قوله تعالى:(لو أردنا أن نتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا)

قال الله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:17] .

(لو) حرف يدل على امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط أفضل، يعني: لا يحصل ولا يكون، ولكن على افتراض أنه يكون.

فقال هنا: (لَوْ أَرَدْنَا) ولم يقل: إن أردنا؛ لأن (إن) شرطية تفيد أنه ممكن أن يحدث هذا الشيء، أما (لو) فتفيد أنه مستحيل أن يحصل هذا الشيء، ولكن قال ذلك على افتراض وقوعه، وحاشا له سبحانه وتعالى.

فقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) قال أكثر المفسرين إن معنى اللهو هنا الزوجة، وهي لغة من لغات العرب، ففي لغة اليمن تسمي الزوجة لهوًا وتوصف بذلك، يقول امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي هذه امرأة اسمها بسباسة، يقول: هل زعمت هذه المراة أني كبرت في السن وأني لا أحسن التزوج؟ فقوله: وأن لا يحسن اللهو، معناه: الزواج، فهنا قالوا: معنى ذلك أن الله عز وجل يقول: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا} [الأنبياء:17] ، أي: أن يتخذ زوجة وصاحبة وأن يتخذ ولدًا وحاشا له سبحانه.

{لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء:17] لو أردنا أن نتخذ ولدًا لاتخذناه من الملائكة على طريق التبني، فأنت أيها الإنسان الحقير الضعيف، يا من خلقت من نطفة مذرة، ومن تراب ومن طين، تأتي وتنسب لله الولد.

فربنا سبحانه وتعالى يذكر أنه مستحيل أن يكون له الولد وأن تكون له صاحبة، إنما الولد يكون للمخلوق الذي يحتاج إلى أن يمتد عمره، فابنه يكمل له ما بدأه، الله خلق الإنسان ليعمر الأرض، وعمارتها تحتاج إلى عمر طويل جدًا، والإنسان ليس له هذا الأمر، فإذا أردنا أن تدوم عمارة الأرض فلابد من التناسل، وهنا لضعفه وعجزه واحتياجه احتاج للولد، وقبل ذلك احتاج للصاحبة، فخلق الله عز وجل له الأنثى ليكون منها الولد، فيخلفه الولد عندما يموت وهكذا.

إذًا: فهنا للضعف والعجز احتاجوا أن يكون لهم الولد والصاحبة؛ حتى يستمر الجنس البشري في إعمار هذه الأرض، وليعبد الله سبحانه وتعالى.

أما الله سبحانه وتعالى فحاشا أن يكون له ولد أو تكون له صاحبه؛ لأنه الباقي أبدًا سبحانه وتعالى، ولأن حياته حياة دائمة أزلية دائمة سرمدية لا بداية لها ولا نهاية، وهو القادر على كل شيء، القاهر لكل شيء، فلا حاجة به إلى صاحبة أو إلى ولد، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا.

فإذًا: قوله سبحانه: (لَوْ أَرَدْنَا) وهذا لا يكون، (أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ من لدنا) من عندنا من الملائكة، وليس منكم أنتم يا أهل الشرك ويا أهل الأرض، (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) .

وهنا بدأ بلو، والمعنى: أنه لا يكون ذلك، وقال المفسرون: (إن) هنا بمعنى (ما) التي تأتي للجحود، والمعنى وما كنا فاعلين ذلك أبدًا، وهذا لا يكون منه سبحانه وتعالى.

وهذا مثل قول الله عز وجل: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر:23] ، يعني: ما أنت إلا نذير، وكقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81] أي: قل ما كان للرحمن ولد، وأنا أول العابدين لله سبحانه وتعالى، و (إن) احتمل في معناها أن تكون شرطية، يعني: أني أفترض المستحيل؛ لو كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبده، وهذا لا يكون لله عز وجل، فأنا أعبد الله وحده وأنفي وجود الولد له سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت