حين كانت الجامعات العربية الحديثة تحتفي بالدكتوراه احتفاءً شديدًا كما ذكر آنفًا، كانت بعض الجامعات العريقة كالجامعات البريطانية لا تلقي للدكتوراه بالًا، ولا تتخذها شرطًا في تعيين هيئة التدريس فيها، ذلك أنها كانت تعول في هذا على ما لدى المرشح للتدريس من قدرة علمية وموهبة ذهنية وصبر على البحث والدرس.
وقد أوضح الأستاذ ج. واطسون الأستاذ في جامعة كمبردج هذه الحقيقة في كتابه (الأطروحة الأدبية) الذي نشر عام 1970م فقال: (يسود الاعتقاد بأن الالتحاق في مهنة التدريس الجامعي يتطلب شهادة بكالوريوس ممتازة ومؤهلًا علميًا عاليًا مثل درجة الدكتوراه. ورغم أن المؤسسات الجامعية الأمريكية غالبًا ما تولي المؤهلات الرسمية كالدكتوراه اهتمامها إلا أن في مثل هذا الاعتقاد مبالغة كبيرة بالنسبة للجامعات البريطانية، إذ يتضح من التقرير الذي قدمته لجنة روبنز عن التعليم العالي في بريطانيا عام 1963 أن 41% من مدرسي الجامعات البريطانية لم يحصلوا على شهادة جامعية ممتازة، وأنه لم يكن بين مدرسي الجامعات الذين عينوا فيما بين عام 1959 وعام 1961 سوى 39% ممن كانوا يحملون شهادة عليا حين التعيين، كما إنه لم يكن بين هؤلاء إلا 28% من حملة الدكتوراه. وربما حصل نفر من فئة الـ 72% الذين عينوا بدون دكتوراه على هذه الدرجة بعد التعيين، ولكن عددًا كبيرًا من هذه الفئة قد فُضِّلوا في التعيين على أولئك المرشحين الذين كانوا يحملون درجة الدكتوراه. وليس من المستغرب في الجامعات البريطانية أن يفضل في التعيين مرشح لا يحمل الدكتوراه على آخر يحمل هذه الدرجة، فهناك أقسام بل كليات كاملة في جامعات مشهورة لا يحمل معظم أعضاء هيئة التدريس فيها درجة الدكتوراه) .أ. هـ [ترجم كاتب المقال فصولًا من هذا الكتاب ونشرها في كتابه (إعداد البحث الأدبي) الذي صدر في الرياض عام 1405هـ انظر ص 45 - 46 من هذا الكتاب] .
وقد ذهبتُ مع عدد من الزملاء منذ سنوات لزيارة إحدى الجامعات الأمريكية المشهورة، وهناك تحدث أستاذ بارز في علم الرياضيات عن تلميذه الذي كان يرجو أن يتم تعيينه مدرسًا في الجامعة بعد الحصول على درجة الدكتوراه. وقال الأستاذ بأني رشحته للتدريس، ولكني اشترطتُ عليه أن يتخلى عن إتمام رسالة الدكتوراه التي أوشك على الانتهاء منها، وأن يكف عن السعي في الحصول على درجتها، لأنه كان حينئذٍ - وهو في مرحلة الطلب - ينشر أبحاثًا جيدة محكمة في المجلات العلمية، وكان هذا في نظر الأستاذ أهم مؤهل علمي يجب أن يتوافر في المدرس الجامعي.
عدد من الأساتذة الأعلام يسخرون من حال الدكتوراه:
حضرتُ مجلسًا علميًا ضم طائفة من علماء اللغة العربية وأساتذتها المشهورين الذين تتلمذت لهم أجيال من حملة الدكتوراه في البلاد العربية، وقد أتوا على ذكر رسائل الدكتوراه في الجامعات العربية، فأنكروا ما صار إليه أمرها من شكلية وابتسار، وسخروا مما آل إليه حالها من ضعفٍ وهزال.
وأعرف جامعيًا زهد في الدكتوراه حين رأى ما أصيب به عدد من رسائلها الأدبية من ترهل في الأبواب والفصول، ونحول في جدلية الطرح ومنطقية الفكر، وما آل إليه لقب الدكتور في بيئات عربية متفرة اتخذته حِليةً اجتماعية وزخرفًا ثقافيًا. وقد آثر أن يتخلى عن لقب دالي أعجمي علق باسمه طيلة ثلاثين عامًا، وحرمه من أن يأنس بذلك الود الحميم الذي يشعر به حين يناديه مناد باسمه الذي سماه به والداه.
علماء الدراسات الإسلامية والدكتوراه:
لقد أفاض الكاتب في الحديث عن الدكتوراه ليبين أن الدراسات الإسلامية - التي هي عنوان شخصية المسلم ورمز هويته - في غنى عن لقب كنسي لا هوتي طارئ لم يجد في دياره الأصلية من الحظوة ما وجده في بلاد المسلمين من افتتان به وتعلق بأذياله. ولا يريد المرء أن يحرم الباحثين الإسلاميين من تقدير علمي ومادي يماثل ما اكتسبه الباحثون الاخرون، ولكنه يرى أن في الألقاب العلمية الإسلامية العربية ما يوجد الألفة الحميمة بين الباحث المسلم وبين أبناء ملته، ويبعده عن مظنة التشبه وريبة التقليد.
(يُتْبَعُ)