وعرف معجم تشيمبر Chambers ( الدكتور) قائلًا: (الدكتور أب من علماء الكنيسة، ورجل من رجال الدين مهر في علم اللاهوت أو القانون الكنسي.
وحين ذكر منير البعلبكي في معجمه (المورد) كلمة الدكتور جعل أول معانيها العالم بعلم اللاهوت النصراني، فقال: (الدكتور عالم لاهوتي بارز) .
أما الأستاذ الجامعي علي جواد الطاهر الذي كان على دراية واسعة بالثقافة الفرنسية فقد قال بأن: (الدكتور في الأصل هو الذي يعلم علنًا، وأطلقه اليهود على الرباني أو الحاخام العالم بالشريعة، وأطلقه المسيحيون على الذي يفسر الكتب المقدسة. ودخل اللقب الجامعات لأول مرة في جامعة بولونيا في القرن الثاني عشر، ثم تبعتها جامعة باريس بعد قليل) [منهج البحث الأدبي، ص 32، بغداد 1970 م] .
هذا إذن أصل من أصول لقب الدكتور الذي تحدر إلى الجامعات الأوروبية من كنائس النصارى ومعابد اليهود.
كيف تسلل لقب الدكتور إلى الدراسات الإسلامية؟
وإذا كان الخذلان الفكري قد مكن للقب الدكتور من أن يصبح أداة من أدوات الخيلاء الثقافية في ديار الإسلام، فإن من أضعف الجهد أن يجد هذا اللقب الطارئ من يذوده حين يتسلل إلى مجال العلوم الإسلامية متشبثًا ببُردةِ مُفَسِّرٍ، أو عباءة محدث، أو جبة فقيه، ممن خلعت عليهم جامعاتهم الإسلامية لقبًا كنسيًا وجردتهم من صفة (عالم) التي وصفهم الله بها، وكرمهم بالانتساب إليها.
وقد يغض المرءُ الطرف كارهًا عما شاع من استخدام اللقب في ميادين العلوم الدنيوية، ولكن في السكوت عن اقتحامه لمجالات العلوم الإسلامية تهاونًا في مراعاة ما أمرنا به من مخالفة اليهود والنصارى.
عرفت كليات الدراسات الإسلامية في البلاد العربية هذا اللقب الأجنبي حين بدأ نفر من الدكاترة العرب الذين تثقفوا بالثقافة الأوروبية الحديثة يهزأون بشيوخ الكليات والمعاهد الدينية، ويسخرون من طرقهم في الدرس والبحث. ونسي أصحاب هذه الأقلام الجامحة المتعالية الهازئة أن ما اتسمت به أقلامهم وألسنتهم من قوة في التأثير وبراعة في البيان إنما كان أثرًا من آثار تلك المعاهد والكليات الإسلامية التي رعت نشأتهم العلمية الأولى، وكانت في هذا كذلك الشاعر الذي آلمته رمية العقوق فقال:
أعلمه الرماية كل يوم * فلما اشتد ساعده رماني
وعندما تكاثرت الأصوات المستغربة التي تسخر من الكليات الإسلامية، وتصد أجيالًا من الطلاب عنها، رأى علماءُ هذه الكليات وأشياخها أن تيار الاستغراب - الذي كان يهيمن على الحياة الثقافية آنذاك - يقتضي أن يتخلوا عما ألفوه من ألقابهم العلمية العربية، وأن يتلقبوا بالدكتوراه التي شغفت الجامعات العربية الحديثة بها، والتي بلغ الافتتان بها حدًا جعل أديبًا يحصل على عدد منها ويلقب نفسه بالدكاترة في بعض مقالاته الصحفية التي كان ينشرها منذ حوالي نصف قرن. [هو الأديب المصري الدكتور زكي مبارك / عبدالرحمن]
وظنت طائفة من الناس أن الدكتوراه هي التي صنعت الأسماء التي لمعت في أفق الثقافة العربية في ذلك الحين، ولكن مرور السنين قد أثبت أن هذا كان وهمًا من أوهام الحياة الجامعية العربية، ذلك أن الدكتوراه - وهي في معظم أحوالها أطروحة جامعية أولية تجريبية أضعف من أن تصنع علمًا من أعلام الثقافة، أو توجد رمزًا من رموز الفكر. ولكن القدرة الذهنية المبدعة، والدأب في البحث والدرس هما اللذان صنعا الأعلام من دكاترة الفكر العربي الحديث. وربما كانت هذه الحقيقة سببًا في أن شهرة هؤلاء الدكاترة الأعلام قد نسجت أوهام الدكتوراه في الثقافة العربية المعاصرة، وأحاطتها بهالة عاجية براقة ما زالت تتراءى لبعض الأذهان.
معظم الأساتذة في كليات بريطانية مشهورة ليسوا دكاترة:
(يُتْبَعُ)