وهذا أيضًا وقع فيه خلاف بين ثلاث طوائف: طائفتان متطرفتان، وطائفة معتدلة؛ فالطائفتان المتطرفتان إحداهما قالت: إن الإنسان يشاء عمله ولا علاقة لله تعالى به، أي الإنسان حر يتصرف كيف يشاء ولا علاقة لله عزَّ وجلَّ به، فهو يُضلّ نفسه، أو يهدي نفسه، قالوا: ولولا ذلك لكان تعذيب الله عزَّ وجلَّ للعاصي ظُلمًا! وثوابه للطائع عبثًا! وهؤلاء هم القدرية؛ لأنهم ينكرون قَدَر الله عزَّ وجلَّ فيما يتعلق بفعل العبد.
وأما المتطرفون الآخرون فقالوا: أن الإنسان لا مشيئة له، ولا قدرة له، ولا اختيار له في فعله، بل هو مُجبر عليه، عاجز عن المخالفة! وأن تعذيب الله عزَّ وجلَّ للظالم ليس ظلمًا، وإن كان الظالم يفعل بغير اختياره؛ لأن تعذيب الله عزَّ وجلَّ له تصرف في ملكه، والله عزَّ وجلَّ يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه! وهؤلاء هم الجبرية؛ لأنهم يرون أن العبد مجبر على عمله.
وأما أهل السنة والجماعة فإنهم توسطوا في ذلك فقالوا: نحن نثبت أن الأدلة الدالة على أن كل شيء واقع بمشيئة الله تعالى، ونثبت الأدلة الدالة على أن للإنسان اختيارًا، وإرادة، وبذلك جمعوا بين الأدلة: ففعل العبد واقع بمشيئته، لكن مشيئته واقعة تحت مشيئة الله تعالى، فإذا شئتُ أنا شيئًا فإنني أعلم أن الله شاءه، ولا أعلم أن الله شاءه إلا بعد أن يقع؛ إذ أنَّ قضاء الله مكتوم، وأنا في نفس الوقت لي حرية أن أشاء ما شئت، ومشيئتي هذه كانت بمشيئة الله عزَّ وجلَّ، ويدل لهذا أن الإنسان أحيانًا يعزم على فعل شيء وبينما هو متجه له إذ انتقضت عزيمته، وهذا مُدرك واقع. وقد قيل لأعرابي: بما عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم. ولهذا لمَّا قال تعالى حكاية عن المشركين: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} ، أبطل الله سبحانه قولهم، فقال: {كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (النحل: 35) ، وقال في آية أخرى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} (الأنعام: 148) . وهي كما أنها باطلة شرعًا فهي أيضًا باطلة عقلًا؛ لأن هؤلاء لم يكونوا يعلموا أنّ الله قضى عليهم بعبادة الأصنام إلا بعد عبادتها، فلماذا لم يعدلوا عن عبادة الأصنام ويقدّروا أنّ الله قضى عليهم بترك عبادتها؟!
* إثبات العِلل والحِكم في أفعال الله تعالى وشرعه، وفي ذلك ردّ على الجهمية وأشباههم ممن أنكروا حكمة الله؛ لقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} . وقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .
فائدة مسلكية مستنبطة من الآيات الكريمات:
*ينبغي للإنسان أن يطلب الهداية من الله وحده؛ لقوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، وأنه لا ينبغي له أن يعتمد على نفسه فيهلِك، بل يتجه إلى ربه ويعتمد عليه في طلب الهداية منه سبحانه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الهادي المهدي يستفتح فيقول:"اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بنا نحن؟!
*ينبغي للمعلِّم غيره أن يُكثر له من ضرب الأمثال التي تعينه على فهم المعنى؛ لأن هذا هو أسلوب القرآن. وهذا كقوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} .
وهكذا ينتهي الجزء الثالث والعشرون، ليبدأ الجزء الرابع والعشرون في حزبه الأول لسورة الزمر.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ـ [أحمد البريدي] ــــــــ [28 Sep 2006, 02:10 م] ـ
شكر الله للأخت الفاضلة ميادة الماضي , هذا الجهد المتميز , ونأمل منها المواصلة.
ـ [ميادة بنت كامل الماضي] ــــــــ [28 Sep 2006, 07:54 م] ـ
د. أحمد حفظك الله وشكر لك .. ما كان من فضل فهو من الله وحده إليه أرفع حمدي وشكري.
وسأواصل تلبية لرغبتك، بوركت وبورك فيك.