قيل لبعض العلماء: إنكم تقولون العلم أفضل من المال، ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك، ولا نرى الملوك يجتمعون عند أبواب العلماء؟ فأجاب العالم بأنّ هذا أيضًا يدلّ على فضيلة العلم؛ لأن العلماء علموا ما في المال من المنافع فطلبوه، والجهّال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم تركوه.
ثانيًا: الأمر بالتقوى، وبيان الثواب المنشِّط في الدنيا للمتقي، والحث على الهجرة، والصبر لما فيهما من الأجر العظيم: الآية {10}
قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
المفردات اللغوية:
اتقوا ربكم: أي: اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالإيمان ولزوم الطاعة. للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة: أي للذين عملوا الأعمال الحسنة في حياتهم الدنيا على وجه الإخلاص والاتباع، صحة وعافية ونفس مطمئنّة. وقيل: مثوبة حسنة في الآخرة. وأرض الله واسعة: أي فمن تعسَّر عليه الإحسان بالطاعة في وطنه، فليهاجر إلى مكان يتمكن فيه من الطاعة وترك المنكرات ومخالطة الكفار. إنما يوفّى: أي التوفية العظيمة، والتوفية: إعطاء الشيء وافيًا، أي تامًّا. بغير حساب: أي بما لا يقدر على حصره حاصر، وبغير عدٍّ وحدّ. [/
وجه الربط:
لمَّا أثنى الله تعالى على المؤمنين بإقبالهم على عبادته في أشدِّ الآناء، وبشدَّة مراقبتهم إيَّاه بالخوف والرجاء، وبتمييزهم بالعلم والعقل والتَّذكُّر، ونفى المساواة بينهم وبين المشركين في ذلك كلِّه، أتبع ذلك بأمر رسول الله بأن ينصح المؤمنين بجملة نصائح تتضمَّن الأمر بالتقوى والاستمرار بالطاعة، وحثَّهم على ذلك ببيان الثواب المنشِّط لهم في الدنيا. وهو خطاب فيه تلطّف وتحبّب للمؤمنين.
وفي قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ} تشريف لهم بإضافتهم إلى ضمير الجلالة، ومزيد اعتناء بشأن المأمور به، ووجوب الامتثال له.
المعنى الإجمالي:
يأمر الله تعالى رسوله الكريم أن قل لعبادي المؤمنين قولي هذا بعينه، فإن تبليغ عين أمر الله أدعى إلى الامتثال له، فقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} أي قل: مناديًا لأشرف الخلق، وهم المؤمنون، آمرًا لهم بأفضل الأوامر، وهي: التقوى، ذاكرًا لهم السبب الموجب للتقوى، وهو ربوبية الله تعالى لهم وإنعامه عليهم المقتضي ذلك منهم أن يتقوه، ومن ذلك ما منَّ الله عليهم به من الإيمان فإنّه موجب للتقوى، وتقواه جلَّ جلاله تكون بأن يتخذَّ العبد بينه وبين عذابه تعالى وقاية وذلك بطاعته وفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثم علَّل تعالى أمره هذا بذكر الثواب المنشط لهم على العمل، وتثبيتًا لهم على ما يلاقونه من الأذى، بأنَّ للذين أحسنوا إلى الخالق، وذلك بأداء الطاعة المطلوبة منهم على الوجه الحسن ومراقبة الله تعالى فيها. وأحسنوا إلى الخلق بالمعاملة الطيبة، وبكفِّ الأذى، وبذل الندى، وطلاقة المحيَّا. لهم في دنياهم حسنة، بالصحة والعافية، والغنى والجاه، والظفر والغنيمة، وانشراح الصدر، واطمئنان النفس، وحسنة في الآخرة بالثواب الجزيل والعطاء الكثير الدائم؛ فقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} فما أجزل الجزاء! حسنة في الدنيا القصيرة الأيام الهزيلة المقام، تقابلها حسنة في الآخرة دار البقاء والدوام، ولكنه فضل الله على هذا الإنسان الذي يعرف منه ضعفه وعجزه وضآلة جهده، فيكرمه ويرعاه، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
ثمّ رغَّبهم في الهجرة للتمكُّن من التقوى والطاعة، فقال تبارك وتعالى: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} أي إذا لم تتمكَّنوا من التقوى في بلد، فهاجروا إلى حيث تتمكّنوا من طاعة الله، والعمل بما أمر به، والترك لما نهى عنه، كما هو سنّة الأنبياء والصالحين؛ ونظير هذا قوله تعالى: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} (النساء:97) .
(يُتْبَعُ)