والقهار لا يكون إلا واحدًا، وذلك ينفي الشركة له من كل وجه.
ثمّ لمّا أبان الله سبحانه تعالى كونه منزّهًا عن الولد بكونه إلهًا واحدًا قهّارًا أعقبه ببيان الأدلَّة الدَّالة على الوحدانية وكمال القدرة وكمال الاستغناء عن أحد من خلقه، فذكر بعض الآيات الكريمات في تقرير التوحيد بذكر الأدلّة والبراهين التي لا تدع للشكّ مجالًا في نفوس العقلاء، فذكر ثلاثة أدلّة: خلق السموات والأرض وما فيهما من العوالم، وتذليل الشمس والقمر لقدرته، وتسييرهما في نظام ومسار دقيقين، وخلق الإنسان الأول وتشعيب الخلق منه، وخلق ثمانية أزواج من أنواع الأنعام ذكرًا وأنثى.
الدليل الأول وأقسامه من العالم العلوي: أ- قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} فيخبر سبحانه أنّه أبدع وأوجد العالَم العلويَّ من السموات والأرض إبداعًا قائمًا على الحقِّ والصواب، لأغراض ضرورية وحِكم ومصالح، فلم يخلقهما باطلًا وعبثًا، وجعلهما في أبدع نظام. وهذا يدلُّ على وجود الإله القادر، وعلى استحالة أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد، فهو واحد، كامل القدرة، كامل الاستغناء عن غيره.
ب- قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} أي يُغشي كلًا منهما الآخر، حتى يُذهب ضوءه أو ظلمته، أو يجعلهما متعاقبين متتابعين، يطلب كل منهما الآخر طلبًا حثيثا، كقوله تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} (الأعراف:54) {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} (الحديد:6) .
ج- ثمّ بيّن كيفية تصرفه في السموات والأرض، فقال تبارك وتعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً} أي: سخّر الشمس والقمر تسخيرًا منظمًا وسيرًا مقننًا إلى مدة معلومة ووقت معيَّن في علم الله تعالى، وهو انتهاء الدنيا وانقضاء هذه الدار وخرابها، فيُخرب الله آلاتها وشمسها وقمرها، ويُنشئ الخلق نشأة جديدة ليستقرّوا في دار القرار؛ الجنّة أو النّار.
وذيَّل تعالى الآية الكريمة بأداة التنبيه (ألا) للتنبيه على شرف ما دخلت عليه، والتنويه به، وللدَّلالة على المراد، وهو: إثبات كمال القدرة الإلهية مع الترغيب في طلب المغفرة، فقال: {أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} أي تنبَّهوا أنَّ مَن خلق هذا العالم بأجرامه العظيمة قادر على الانتقام ممن عاداه، فهو الذي لا يُغالب، القاهر لكل شيء، الذي لا يستعصي عليه شيء، ومع هذا فهو ساتر لذنوب عباده، غفّار لمن عصاه ثمّ تاب وأناب إليه.
ومن تلك اللَّفتة إلى آفاق الكون الكبير ينتقل الحقّ جلّ جلاله إلى لمسة في أنفس العباد؛ مشيرًا إلى آية الحياة القريبة منهم في أنفسهم وفي الأنعام المسخّرة لهم، وهذا هو: الدليل الثاني وأقسامه من العالَم السفلي:
أ- قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي خلقكم أيّها النّاس على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، هي آدم عليه السلام، ثمّ جعل من جنسها زوجها، وهي حواء، ثمّ شعّب الخلق منهما، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء:1) وهذا الجزء من الدليل في عالَم الأرض مشتمل كما هو واضح على أدلَّة ثلاثة.
ب- قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} فقد استدلّ سبحانه بما خلقه من الأنعام بعد الاستدلال بخلق الإنسان؛ لأنّ المخاطبين بالقرآن يومئذٍ قوام حياتهم بالأنعام ولا تخلوا الأمم من الحاجة إلى الأنعام كل حين، والأنعام الثمانية هي المذكورة في سورة الأنعام: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} (الأنعام:143) وقوله تعالى: {وَمِنَ الْإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} (الأنعام:144) .
(يُتْبَعُ)