فإذا ما وحَّد القلب الله حقَّ التوحيد بثَّه إلى الجوارح فنطقت كلّها بتوحيد الله؛ فاللسان يوحّد أن لا إله إلا الله، وكذلك اليد والسمع والبصر وجميع الجوارح، فتبدو آثار هذا التوحيد في التصورات والمشاعر، كما تبدو في السلوك والتصرّفات، ولهذا يأتي مباشرة قوله تعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} كلمات مدويَّة عالية في تعبير مجلجل بأداة الاستفتاح (ألا) ، وفي أسلوب القصر: (لله الدين الخالص) ، لتقرِّر الآيات الكريمات ما سبق وأكَّدته من وجوب الإخلاص لله وحده بالعبادة والطاعة.
{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك وذمٌّ لمن أشرك، فهو تعالى وحده الذي يجب اختصاصه بالدِّين، والعبادة والطَّاعة يجب أن تكون له، فهو سبحانه لا يقبل من العمل إلاّ ما أخلص فيه العامل له وحده لا شريك له؛ لأنه أغنى الشركاء عن الشرك المُفسد للقلوب والأرواح، والدنيا والآخرة.
{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ذلك الذي يُصلح القلوب ويزكِّيها ويُطهِّرها، لا رياء ولا محبَّة ولا طاعة لمخلوق إلا فيما يُرضي الخالق، فكما أنّ لله تعالى الكمال كلّه، وله التّفضُّل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدِّين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدِّين الذي ارتضاه سبحانه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه، وأمرهم به؛ لأنه متضمِّن للتألُّه له في حبِّه، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، في تحصيل مطالب عباده.
وإذا كان رأس العبادة الإخلاص لله، نهى عن الشرك وأخبر بذمّ من أشركوا به ونفى حجّتهم؛ فقال تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} فقد احتجّوا بأنهم يتولّون الأصنام بعبادتهم ودعائهم معتذرين عن أنفسهم قائلين: ما نعبدهم إلا ليُقرِّبونا إلى الله تقريبًا، ولترفع حوائجنا له وتشفع لنا عنده وإلا فنحن نعلم أنّها لا تخلق ولا ترزق ولا تملك من الأمر شيئًا، فأخبر تعالى أنَّ عبادتهم مردودة عليهم، وهدّدهم بأنّه سيحكم بين الخلائق يوم القيامة ويفصل في خلافاتهم، وسيجزي بعدله كلًا بما يستحقّه من إنعام وتكريم أو شقاء وتعذيب؛ فقال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .
ثمّ استأنف الله تبارك وتعالى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} لِيُثير في نفوس السامعين سؤالًا عن مصير حالهم في الدنيا من جرّاء اتخاذهم أولياء من دونه، وليعمّ الكلام كلّ كافر كذّاب، فيكون الجواب بأنّ الله لا يهدي من هو كاذب كفّار؛ أي: يذرهم في ضلالهم ويمهلهم إلى يوم الجزاء بعد أن بيّن لهم الدين فخالفوه، وأتتهم الآيات فجحدوها وكفروا بها، فأنَّى لهم الهدى وقد سدُّوا على أنفسهم الباب، وعوقبوا بأن طبع على قلوبهم، فهم لا يُؤمنون. [/ size]
هداية الآيات:
1ً. بيان علو مرتبة القرآن وجلالة شأنه وأهمية نزوله؛ حيث ذكر تعالى تنزيل الكتاب، وأتبع ذلك بعض أسمائه الحسنى المتضمِّنة لصفاته العليا فقال: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} . قال ابن سعدي رحمه الله: الكلام وصف المتكلم، والوصف يتبع الموصوف، فكما أن الله تعالى الكامل من كل وجه الذي لا مثيل له، فكذلك كلامه كامل من كل وجه لا مثيل له، فهذا وحده كافٍ في وصف القرآن، دالٍّ على مرتبته.
2ً. تقرير النبوة المحمديّة؛ لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} .
3ً. تقرير التوحيد، والأمر بإخلاص العبادة لله من جميع أنواع الشرك كبيرها وصغيرها؛ لقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} . وقوله تبارك وتعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} .
4ً. بيان أنَّ الدين الخالص من شوائب الشرك وغيره هو لله تعالى، وما سواه من الأديان فليس بدين الله الخالص الذي أمر به؛ لقوله تبارك وتعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} .
5ً. أنَّ دعاء الشفعاء، واتِّخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفَّار؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} .
(يُتْبَعُ)